عام من ترامب – اليوم 24

عام من ترامب

  • رحلة حزينة..

  • الفراعنة الجدد

لم نكن نبالي هنا بذاك المتعجرف، أشقر الشعر، الذي يردد الكلمة الواحدة مرتين إلى ثلاث، والذي لا يطلع صباح ولا تغرب شمس دون أن ينشر قدرا وافيا من الغل والتكبّر والوعيد شرقا وغربا. لم نكن نبالي كثيرا لدونالد ترامب هذا. كنا نظن أن البلاد التي يحكمها عاقلة. عاقلة بمؤسساتها وتوازنات السلط بينها. عاقلة بما يكفي لتلجم تاجرا يديرها كما يدير عقاراته وفنادقه وأمواله العابرة للحدود، بعين لا ترى مع الربح حقا ولا باطلا ولا دبلوماسية ولا كياسة ولا أدبا. حين صوّت الأمريكيون على ترامب فقدت أوروبا صوابها. ورحب العرب بين ضعيف لا حيلة له، وخائف على حكم معلّق بجدار هش يحفظه برغيّ واحد من السقوط، هو برغي أمريكا.
ثم لم يمر العام على رئاسة ترامب حتى فقدت الشعوب العربية الإسلامية صوابها حين اعترف ترامب زورا بالقدس عاصمة للاحتلال. إسرائيل التي لم تعثر على دليل واحد، ولو نقش صخري، أو صحن قديم، يثبت وجودها هناك بعد عقود متواصلة من الحفريّات يعترف لها هذا التاجر بالقدس وفيها المسجد الأقصى عظيما شامخ البناء، وكنيسة القيامة بازغة المعالم كالشمس! عموما، الأكاذيب لا تصمد أمام الشمس وسرعان ما يجرفها التاريخ الذي يصنعه الشرفاء.
دخل ترامب بلاد العرب بمنطق تجاري صرف، لا يهتم فيه لحروب وأماني العرب. دخل وعينه على مال يكافئ به الصناعات التي رفعه عمّالها بأصواتهم إلى كرسي الرئاسة (الأسلحة، البناء، الفحم..) ويمدّ لهم في أيّام العمل مدا. السعودية تريد أن تحارب إيران، تريد أن تسلّح سُنة المخيمات الفلسطينية بلبنان ضد حزب الله، أو تحلم بقلب النظام في طهران، أو إلحاق اليمن بترابها، لا يهم، ليكن لها نصيبها من الكلمات والوعود مادامت مصالح أمريكا محمية ومشاكلها مع إيران مثل مصالحها لها مسار مخالف. هكذا أخذ المال ورحل، وزف بشرى “jobs، jobs، jobs” بالمال السعودي لمن صوتوا له، وأغلبهم ممّن يُعرفون بالياقات الزرقاء (العمل الذي فيه جهد جسدي، مقابل الياقات البيضاء التي تنسحب أكثر على أصحاب المهن الإدارية والثقافية..).
لكن إذا كانت قرارات ترامب الخارجية وتحركاته تثير توجسات ومخاوف وانعكاسات، قد تكون أحيانا خطيرة أو ظالمة تماما (قرار نقل السفارة من تل أبيل إلى القدس)، باعتبار الإمكانات العسكرية والدبلوماسية والحضور الدولي القوي للبلاد التي يقودها في مختلف أركان العالم وأهم بؤر صراعاته ومعاركه وغيرها، ففي أمريكا يبدو أمر الرئيس الملياردير (خاصة لمتابع من “بقية العالم”) مسليّا وممتعا ومثيرا للشفقة والاستعجاب إلى حد ما.
الرئيس الأمريكي يمطر نيويورك تايمز، واشنطن بوست، بوليتيكو، ذي أتلانتيك، سي إن إن، وأي محطة أو صحيفة تخالفه الرأي بوابل من التغريدات المسيئة ويعتبر كل ما يصدر فيها “Fake News”، وكل تقاريرها بهتان، ويدعو “شعبه الأمريكي” إلى عدم تصديق قنوات “العار” أو “الكذب” أو “خدام الحزب الديمقراطي” أو “محترفي صناعة الكذب”، ومتابعة “فوكس نيوز” وحدها، باعتبارها مصدر الخبر الحق واليقين..
يدعو “قاعدته الانتخابية” إلى الاطمئنان بأنه يعيد لأمريكا مجدها من جديد كما وعد بذلك! رغم أن الوعد نفسه مثير للضحك، فكأن أمريكا تقهقرت إلى ذيل مؤشرات التنمية والمال والأعمال والبحث العلمي!! وترامب يعيدها إلى مصاف الصدارة.
عموما، الإعلام الأمريكي قوي جدا وشرس وعنيد ولازال يحفر في إمكانات تضارب المصالح بين شركات ترامب وسياساته، وقضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية وعلاقة الرئيس بذلك، يشتغل بشهية إسقاط الرئيس. فهل يفعلها في 2018 ويريح شعوب المشرق والمغرب؟

شارك برأيك