“الإضراب عن الاستهلاك”؟ – اليوم 24

“الإضراب عن الاستهلاك”؟

  • عودة العنف..

  • الديمقراطية تحفر قبرها

يبدو أن حركة جديدة أخذت تتعاظم، في الولايات المتحدة وفي بعض البلدان الأوروبية، ولا نعرف إن كانت ستتلاشى سريعا أم إنها ستذهب عاليا وبعيدا. هذه الحركة تقترح على كل واحد اتخاذ قرار بسيط: الامتناع لمدة عام كامل عن شراء أي شيء، عدا ما هو ضروري حقا. وهذا على سبيل المساهمة في مكافحة الاحتباس الحراري وتلوث البحار وتبذير المواد الأولية.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الإضراب عن الاستهلاك، الذي سبق اقتراحه منذ زمن بعيد، فكرة سخيفة: فلا أحد يمكنه الاستغناء عن الأكل والسكن واللباس والعلاج والتعلم والنقل للذهاب إلى العمل. يجيب أنصار هذه الحركة بأن الإضراب لا يشمل سوى غير الضروري، وبالخصوص إعادة اقتناء ما نملكه. ويتساءلون: ألا يمكننا حقا الاستغناء، ولعام واحد فقط، عن شراء ملابس جديدة، عن تغيير السيارة، والهاتف، والتلفاز، والحاسوب، وأشياء أخرى؟

لكن هذا الإضراب غير لائق تماما، يجيب معارضوه. فالأغلبية الساحقة لا تتوفر أصلا على ما يسعى أصحاب الحركة إلى حرمانها منه. وقليلون هم أولئك الذين يكفيهم بالكاد العيش بما يتوفر لهم، فكيف نطلب منهم الاستغناء طواعية عما لا يأملون حتى في الحصول عليه يوما ما؟

حسنا، يرد الأنصار، فليقتصر هذا الإضراب إذن، على من يملكون الكثير وليسوا في حاجة إلى تجديد أي شيء. ففي الولايات المتحدة وفرنسا وبلدان أخرى متطورة، يمكن لشريحة مهمة من الساكنة الإمساك عن شراء ما ليس ضروريا لمدة سنة واحدة. ومن الأشياء الضرورية التي لا يمكن الاستغناء عنها: الأغذية، النقل، السكن وما يرتبط به، ألبسة الأطفال. ويمكن للذين يملكون سكنا ادخار جزء لا يستهان به من مداخيلهم.
بالتالي لا يجب التسرع في التخلص من هذه الفكرة.
أولا، من المهم، في بداية هذه السنة، أن يقوم كل واحد منا بعملية حسابية صادقة يحدد عبرها الجزء الذي يمكن ادخاره من مداخيله إذا ما قررالامتناع عن شراء ما سيكمل أويعوض شيئا نملكه، وتأجيل هذه المشتريات غير المستعجلة إلى 2019.
النتائج الأولى لهذه الحركة ستكون مبدئيا مغرية: ضغط أقل من الموضة، تبذير أقل، ونفايات أقل، واحتباس حراري أقل، ومجتمع أكثر اقتصادا وأكثر رزانة.
ثم بعد ذلك ستأتي النتائج الأقل متعة. فالعديد من القطاعات الصناعية ستتضرر بشكل مطرد: صناعة السيارات، التجهيزات المنزلية والإلكترونية، الملابس، الأحذية، الأثاث، المجوهرات، المنتجات الفاخرة، وحتى صناعة الكتاب والأفلام والإبداعات الموسيقية، وتبعا لهذا ستتضرر ملايين مناصب الشغل، وبالخصوص بين أولئك الذين لا يملكون الإمكانات للمشاركة في الإضراب عن الاستهلاك الذي يبدو لأول وهلة فكرة مغرية، ولكنها في الحقيقة فكرة ساذجة.

مع ذلك، علينا الخروج من هذه الدائرة الجهنمية، والعمل على إعادة توجيه الإنتاج والاستهلاك. وبدل الحديث عن “الإضراب عن الاستهلاك”، سيكون من الحكمة الحديث عن “الاستهلاك الإيجابي”، الذي سيعيد توجيه مشتريات القادرين نحو مقتنيات مستدامة، دون الاستسلام للموضات، والعمل على إعادة ابتكار الأشياء التي نملك مسبقا.

يتعين على العديد من الصناعات إعادة النظر في منتجاتها، التي ستصبح بدورها “إيجابية”. ولتوسيع عدد الذين يمكنهم المشاركة في استهلاكها، يتعين تقليص الفوارق. وهذا موضوع يستحق نقاشات أقل تواضعا وضعفا من هذه الجدالات الحالية.
إذن، متى نبدأ؟

ترجمة
مبارك مرابط
عن “ليكسبريس”

شارك برأيك