السلطة وشبح فقدان الملامح.. – اليوم 24

السلطة وشبح فقدان الملامح..

  • رحلة حزينة..

  • الفراعنة الجدد

قبل سنة، سلّم حزب العدالة والتنمية بإعفاء أمينه العام السابق من منصب رئيس الحكومة المعين، السيد عبدالإله بنكيران، مقابل مواصلة السيد سعد الدين العثماني المهمة الحكومية بعده، ثم سلّم بدخول الاتحاد الاشتراكي للأغلبية (بعدما كان يعارض الأمر)، ثم سلّم بتفريخ المسؤوليات الوزارية والانتدابات والكتابات (ضدا على سعيه إلى ترشيد الفعل الحكومي)، ثم سلّم بتوزيع للحقائب والمسؤوليات يجعل الحزب عمليا مشاركا بحد أدنى في صناعة القرار.. أدنى من الحد الأدنى السابق لمشاركته في صناعة القرار.
يبدو مشهدا مألوفا: حزب يريد حصة معينة من (تدبير) السلطة، مقابل الأصوات التي حازها عن استحقاق في الانتخابات، فيصطدم بجدار صد يتمثل في نظام لم يهضم بعد “ضرورات الربيع” أو يرى أن “ضرورات الانتقال السلس للسلطة” زالت، فما يكون منه (أي الحزب) إلا أن يقبل بحصة أقل من السلطة بشروط مجحفة. ثم تنخرط جماعة من الحزب، في الغالب الجماعة المنتشرة في عصب الحكومة، في تبرير هذا القبول بأن “اللحظة تقتضي (كذا)” و”الظرف لا يسمح إلا بـ(كذا)..” و”بُعد النظر يوجب (كذا)..”.
وشيئا فشيئا يزداد تعلق الحزب بالنظام وتزداد المشاكلة والتماثل والتماهي بينهما، وقد يصل الأمر حد الذوبان والامتزاج، فيستعر، في مراحل هذه الطفرة في جينات الحزب الذائب أو المُذاب (حسب كل حالة)، هاجس حيازة السلطة ويخبو هاجس التأثير فيها، ويزداد هم الدفاع عن القضايا الجديدة (للسلطة)، ويفتر هَمُّ الدفاع عن القضايا القديمة (التي صارت قديمة) لشعب المصوتين. فإذا بالحزب ينتقل من البحث عن أفضل السبل للتأثير في صناعة القرار إلى البحث عن أفضل الألوان لصباغة القرار. حتى يصير حزبا صبّاغا في ورش النظام.
قد لا يذوب الحزب، باعتبار أفراده، لكنه يذوب باعتباره مؤسسة. الأفراد الغاضبون قد ينشقون أو يعتزلون السياسة أو يستكشفون خيارات أخرى. أما مؤسسة الحزب فتجد نفسها متحللة في جوف النظام برصيدها ورمزيتها.
شبح الذوبان والتلاشي هذا (على الأقل باعتبار تجربة مشابهة في التاريخ السياسي للبلاد)، هو ما يحاول حزب العدالة والتنمية، ربما، صرف طيفه. غير أنه منقسم في تقدير كيفية تحقيق ذلك بين اتجاهين.
هناك اتجاه، عبر عن نفسه غير ما مرة، ولعله وجد تطبيقه العملي نسبيا في أسلوب رئيس الحكومة السابق، يرى أن الوقاية من الذوبان تتطلب إثبات (بمعنى انتزاع) حق الحزب في الاختلاف مع السلطة والنظام – بكل أدب واحترام وتحضر- كلما تعارضت تقديرات الطرفين. وفي مجرد إثبات هذا الحق للحزب في الاختلاف (وإن كان شفهيا) عن تقديرات السلطة مكسب كبير. وهذا الاختلاف إزاء القضايا هو ما يعطي لمفهوم المشروع السياسي معناه، وللحزب قوة وتفردا، ويمد المشهد السياسي بحركية إيجابية، أما إذا سلّم الحزب زمام أمره للسلطة ولم يضع مسافة نقدية من مشاريعها وتوجهاتها، فهو أقرب إلى الذوبان في هذه السلطة التي يدعي السعي إلى إصلاحها منه إلى إصلاحها فعلا.
أما الاتجاه الآخر، فيتفق على ضرورة تجنب ذوبان الحزب في السلطة (في جوانبها السلبية طبعا)، لكنه لا يعتبر أن التسليم أمام إرادة السلطة يشكل أي خطر بهذا الصدد. يعتبر أن هناك ظرفا سياسيا اقتضى أن يتنازل الحزب عن بعض مطالبه السياسية إزاء تشكيل الحكومة مع البقاء في قيادتها، دون التنكر لقيمه ومبادئه المؤسِسة. الأمر يتعلق باختبار سياسي، ربما، لم ينجح الحزب في تدبيره بالشكل الأمثل، أضف إلى ذلك أن “اللحظة كانت تقتضي، والظرف لم يكن يسمح، وبُعد النظر كان يُوجب…”.
الجملة السابقة (بين مزدوجتين) لا تعني تغليبا ضمنيا لحجة الاتجاه الأول على الثاني، وإنما تنبيها صريحا لأصحاب الاتجاه الثاني. تنبيها من التسبب في فقدان الحزب لملامحه المميزة من فرط يقين في غير محله.
صحيح أنه لا يمكن علميا إلزام حزب المصباح بما آلت إليه تجربة الاتحاد الاشتراكي بعد حكومة التناوب وعدم تعيين اليوسفي وزيرا أول، لكن صحيح، أيضا، أن من لا يعتبر بدروس التاريخ لا يعوّل عليه..

شارك برأيك