لحظة الحقيقة – اليوم 24

لحظة الحقيقة

  • عودة العنف..

  • الديمقراطية تحفر قبرها

إن الإضرابات التي شنها العاملون في مؤسسة “Ephad”، ودور أخرى لرعاية المسنين، تذكر من تسلل إليه النسيان أن الرهان الأساسي للسلطة في كل المجتمعات، منذ فجر الزمن، يقوم على العلاقة بالموت. فالمجتمع الذي “يقسط” العلاجات، والذي لا يدبر بشكل لائق السنوات الأخيرة في الحياة، الذي يعد موتا رحيما ضمنيا للفقراء، والذي يعطي معنى للموت، سرعان ما ينظر إليها على أنها غير شرعية. وتبعا لهذا يعاد النظر في السلطة ويتم الانقلاب عليها.
حدث هذا عدة مرات في الألفيات الأخيرة، وهذا بلا شك ما يهدد حضاراتنا الرأسمالية. وليس في فرنسا فقط، حيث تنبهنا الأزمة الحالية إلى أنه كلما كان النظام الصحي فعالا، يساهم ذلك في إطالة أمد الحياة، ووجب أن نخصص له جزءا من نسبة نمو موارد البلاد، وارتفع التهديد – وهذا ما أخشاه وأندد به منذ عقود- بالموت الرحيم الاقتصادي للأكثر فقرا، إذا لم نوفر تلك الموارد.
وهذا ما يقع في عدد من البلدان، حيث تقل العلاجات المخصصة لهؤلاء الفقراء، ويتم تأجيل العمليات الجراحية الخاصة بهم، والمستعجلات تعاني من الاكتظاظ. والولايات المتحدة وبريطانيا هما النموذجان الأكثر تطرفا بهذا الخصوص.
وفرنسا بدورها، حيث تشكو المؤسسات الصحية من نقص كل شيء، لم تسلم من هذا. وخصوصا، لما أخذت فيها العلاجات الموجهة إلى الأكبر سنا تتدهور أكثر فأكثر، رغم تفاني العاملين وكفاءاتهم، باستثناء أولئك الذين بإمكانهم الأداء لمؤسسات مكلفة جدا، ولكن تتوفر على كل الخدمات، باستثناء الأقوياء الذين يتوفرون على الوسائل التي تجنبهم المرور عبر الأنظمة الصحية العامة، والذين يملكون حظوظا أكبر – كما هو الحال في كل المجتمعات منذ آلاف السنين- للعيش مدة أطول من الآخرين.
إن الأكثر تقدما بين المقاولين استوعبوا طبيعة هذا الخطر الداهم. وبما أنهم لا يرغبون في الاندثار مع الدول التي بنوا فيها أعشاشهم، ويحاولون إيهام الشعوب بفكرة تفيد أنهم سيوفرون قريبا الخدمات الصحية للجميع، بل، وهذا وعد سخيف، حتى الخلود.
سيعمد هؤلاء المقاولون، في مرحلة أولى، إلى التحكم في الطب ودمج شركات التأمين والمؤسسات التي تدبر أبناك المعلومات (مثلا غوغل مع أكسا، وميكروسوفت مع برودانسيال)، وسيتخلصون بذلك من الأنظمة العمومية للضمان الاجتماعي.
سيضعون في هاتف كل مستهلك في العالم بأسره الوسائل الضرورية لتأمين صحته، مقابل قدر معلوم من المال سيختلف وفق الجهود الوقائية لكل واحد. فتكنولوجيات اليوم، تسمح، بل وتنظم منذ الآن هذه المراقبة الذاتية المستمرة لصحة كل واحد. إنها استمتاع إرادي بعبودية مقبولة.
ثم، ستوفر تلك الشركات الأطراف والأعضاء الاصطناعية الضرورية للوفاء بوعودها ولو جزئيا، لتفتح بذلك حقلا شاسعا لنمو أرباحها.
هذا ما يختبئ خلف خطاب بعض من أنصار الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية. هذه هي الحقيقة التي تتخفى خلف التقدم في مجال السيارات الذاتية القيادة، والتي ليست سوى مرحلة في الطريق إلى الهدف الأساسي بالنسبة إلى هذه الشركات وهو: الأعضاء الاصطناعية.
هذا، كذلك، وبالخصوص ما يختبئ خلف معاناة أولئك الذين يشكون النقص في كل شيء في سنواتهم الأخيرة: التحول إلى اقتصاد للموت سيفلت شيئا فشيئا من رقابة الدول، وبالتالي، من رقابة القادة السياسيين، الذين لم ينتبهوا في الوقت المناسب إلى أن هذه الأزمة التي تبدو بسيطة، ترهن مستقبل وجودهم ذاته.
ترجمة
مبارك مرابط
عن “ليكسبريس”

شارك برأيك