اللّي بلَ امْنَات ما عرفتْ الناس أيمْت مَات.. – اليوم 24

اللّي بلَ امْنَات ما عرفتْ الناس أيمْت مَات..

  • القارئ هو الحل

  • من دولاب السياسية..

بعض اللقاءات لا تخلو من إشارات لطيفة ومبادرات لبيبة، ودلالات عميقة تتكاثف فيها الصدفة، مع حسن التقدير وعفو الخاطر مع دقة الفكر. كأن يمدك أحدهم بكتاب رصين عن المرأة بين أعتاب يومها العالمي. وثيقة تلاحق صورة هذا الكائن الرقيق والجبار، المغوي والمخيف، السند والند، القاسي والودود، كما تطورت تجلياتها في موروث ثقافي خصب من تراث البلاد الجامع. إحدى هذه المناسبات التي حملت في طيّها هذه المعاني، كانت لقائي قبل أيام بالباحث البارز في التراث الأدبي والجمالي الصحراوي والناقد التشكيلي، والصديق، إبراهيم الحيسن.
طلبت منه كتابا موقعا من بين كتبه التي لم أقرأها، فكان أن أمدني بكتابه: “المرأة في الأمثال الحسانية”. ففكرت أنها مناسبة ممتازة وإشارة ذكية من هذا الباحث الغزير الإنتاج، رشيق الأسلوب وجميل الرؤية للخوض في باب النساء من جديد. أخذت الكتاب معي، وبدأت أتصفح مضامينه لأجدني أغوص في ثنايا متخيل شعبي متشابك الدروب تأخذ المرأة في متنه تجليات متقلبة وصورا متناقضة ودلالات تتراوح بين المدح المفرط والتجني الواضح. ولعل هدف الحيسن هو الفهم قبل الحكم، ووضع الأمثال الشعبية الحسانية في سياقها المجتمعي، وربطها بامتداداتها في التراث الديني والقبلي والأدبي. هكذا يدوّن الكتاب “مجموعة من الأقوال الشعبية والأقوال السائرة التي تدعو إلى تفوّق الذكورة وتكريسها، وأخرى تدافع عن النساء وتظهر قيمتهن داخل المجتمع”، محاولا في خضم ذلك ربط هذه الأمثال بمظاهر الحياة في الصحراء.
في الحقيقة، الكتاب جعلني، أنا القادم من مجال جغرافي وثقافة محلية مختلفة، أجد آثارا ورسوما وشواهد وقواسم مشتركة لهذا الإنتاج الجماعي للمعنى في حق المرأة في تراثي المحلي أيضا. قواسم لتمثلات تتأرجح بين ترسيخ قيم الذكورة والدفاع عن قيم الأنوثة. لكن في الغالب، حين يتعلق الأمر بالقيم الثانية، يجري هذا الدفاع من باب قد ندخله تحت مسمى “وإن كيدهن لعظيم”، أي من باب الكيد.
حين ننتقل من مهمة التحليل إلى مهمة الحكم على نتائج التحليل البحثي لتمثلات المجتمع عن المرأة، قد تغمرنا إذاك مشاعر تتعدّد بين الأسف لبعض التمثلات السلبية والثناء على أخرى رفيعة. فنحتاج بذلك إلى أن نشن حربا على أنفسنا، على ما دسته في أذهاننا تنشئة اجتماعية ما، بقدر ما، لنكافح ترسبات هذا التمثل الجماعي المشترك السلبي حول المرأة، ونستعيد تمثلاتها الأرقى. وننقب، ونحن ننطلق في حرب التحرير الجماعي هذه، في سجلات مختلفة، في عادات قديمة تتصل بالنخوة والشهامة تجاه المرأة، وفي قيم دينية تم حرفها وتأولها بشكل مغلوط لنعيدها لحقل التداول في شكلها الأسلم، أو في قيم كونية تروم تخليص المرأة من مظلوميتها التاريخية.
وأعتقد أن حرب التحرير هذه تستحق في الحقيقة توسعة لمداها، إذا ما استحضرنا تمثلات هذا الجيل الصاعد المفتون بالصورة للمرأة. هذا الجيل ابتدع قياسات جديدة يقيس بها قيمة المرأة، والتي تنضبط لتمثلات وثنائيات ضدية غير مسبوقة لا تبعث على كثير تفاؤل، من مثل “معقدة” مقابل “مطلوقة”، “محجبة” مقابل “غير محجبة”، “ديال السهرة” (الصداقة العابرة) مقابل “ديال العشرة” (الزواج)، “تيتيزة” (جميلة) مقابل قبيحة من منظور عليل لتقدير الجمال، وغيرها من الثنائيات التي تساهم المرأة ذاتها أحيانا في بنائها. لا أقول إن هذه التحديدات غير مسبوقة لدى الأجيال السابقة، أفترض فقط، أنها لم تكن “مستعرّة” إلى هذه الدرجة إن جاز التعبير. وهو افتراض على كل حال، ربما يجد من يفككه تفنيدا أو تأكيدا في بحث أوسع..
لنختم بمثل حساني جميل يقول: “اللّي بلَ امْنَات ما عرفتْ الناس أيمْت مَات”، ويعني من لا بنات له لا يُعرف متى مات، وقوة المثل واضحة في نسبتها ما تنسبه بعض العقليات المنغلقة عادة لـ”من لا أبناء (ذكور) له”، إلى من لا بنات له. وهذا غيض من فيض من الصورة الإيجابية لهذا التراث المغربي الجميل عن المرأة..

شارك برأيك