هموم سلطوية! – اليوم 24

هموم سلطوية!

  • إعلام الغاب..

  • حماقات السلوك البشري..

السلطة ترفض اقتسام السلطة لأنها لا تأمن أحدا غيرها على نفسها! فالسلطة تلبّست بالسلطة. ولأن من يبحث عن السلطة عموما ومن تجارب التاريخ، لا يُؤمن جانبه. لو كان فيه خير لنذر نفسه للتعبد وفعل الخير والإحسان وما جاء باحثا عنها. في هذا البحث، في هذا السعي، في هذا الشغف بتحصيل هذه المكرمة التي يُحكم بها العباد وتُساس بها البلاد أمارة قبح في نفس الباحث مهما ادعى من صدق النية وصفاء الباطن. هل تصدق السلطة ادعاءاته؟ إذا فعلت تكون غبية وقد تجد نفسها غدا لا تملك حبة خردل من تلك القوة الضارية. صحيح أنه احتمال بعيد وضعيف بعين العقل، لكن السلطة هنا تفكر بمنطق استباقي ووقائي. يكفي أن هناك “احتمالا” مهما تضاءل حجمه للتجنّد ضده بكل الوسائل.
عموما، ما عادت السلطة تبالي كثيرا بمتسوّليها، المستخفين في أثواب اليسار أو اليمين. انتهت من هؤلاء منذ مدة. السلطة مهمومة حاليا بمسألة محيّرة. مسألة تخص الناس الذين تمارس عليهم سلطتها. فقد بدأت تلحظ في صفوفهم إقبالا متزايدا على السجون والمنافي وغرف الإنعاش والمستشفيات والشوارع العامة والخطابات الحقوقية ومنتديات رقمية تقول أشياء غريبة عن الحكم، وهي لا تفهم ماذا يريدون منها وتتوجس من أن يكونوا بدورهم يريدون منازعتها سلطتها، شأن أحزاب “قبح الله سعيها” حاولت ذلك، لا سيما حزبان آلت تجربتيهما إلى الفشل “ولله الحمد”.
السلطة تقدم وعودا جميلة جدا بلا انقطاع وتسمع للمحتجين بالساعات وكل يوم تقدم باقة وعود أحلى من التي قبلها، لكنها تلاحظ أن أحدا لا يثق في هذه الوعود وهي لا تفهم لماذا. هل يعود الأمر ربما لخمسين عاما من التنمية الضائعة؟ هل يعود لمشاريع لم تر النور أبدا؟ هل يعود للوجوه المكلفة بتقديم هذه الوعود؟ أيكون الأمر بسبب عمليات نهب سابقة لخيرات البلاد ظل أصحابها بلا حساب؟ هل يتصل الأمر بازدواجية عرض السلطة للمحتجين المتمثل في فتحها قناتي حوار متناقضتين في وقت واحد: إطلاق العصا وإطلاق المشاريع؟ أم هل يتصل بالانتقائية المفضوحة في تعاملاتها مع من تمارس عليهم سلطتها؟
لا! الأمر مدبر من أطراف تناصبها العداء، هذا ما يخلص إليه عقل السلطة. تلك الأطراف التي لا يبدو أنها تكل عن منازعتها سلطتها والتعريض بتجاوزاتها في كل مناسبة. لا يمكن أن يتصل ما يحدث في البلاد بشيء غير ذلك. لا يمكن وضع احتجاجات “معزولة” في سياق ذي صلة ! لا سياق له صلة بما يجري في سياق آخر. لا وجود لنسق جامع. ألا ترى تلك الأطراف تُروّج لمقولات “مضحكة” من قبيل أنه لا بد أن تستند السلطة إلى قنوات وساطة في تواصلها مع الناس، وأن دور هذه القنوات يكبر في الأزمات؟ كأن السلطة غبية ولا تعلم أن بين هذه القنوات من أحزاب ونقابات تريد “الركوب” على الأزمات. لكن هيهات أن يكون لهم ذلك، السلطة واعية بما يُحاك ضدها وهي قادرة على مواجهة الشارع دون حاجة إلى أحد. صحيح أنها لا تملك خطابة بعض الزعماء السياسيين ونزاهة بعض الوجوه المدنية، لكنها تملك خطابة ضرب الأمثال. فهي “تضرب” الأمثال للمحتجين هنا وهناك. والأمر ناجح. من يقول فاشل مجرد حاقد لا يريد أن يقر بنجاحات ومنجزات السلطة في تدبير المطالب الشعبية.
بل إن من بين هؤلاء الحاقدين من يردد أحاديث مزعجة عن محاربة الريع والفساد وزواج السلطة والمال وما إلى ذلك. ألا يعلمون أن الزواج مسألة شخصية، وللسلطة الحق في الخصوصية؟ السلطة تريد الزواج من الرأسمال، هذا حقها. ثم إن إحدى أقوى دول العالم زُفت عروسا لآل عقار أثرياء في انتخابات شفافة رغم أنف الجميع. إن من يرى فيما يجري في البلاد مصدر قلق ومبعث انشغال يضخم الأمور، ويحاول مغالطة السلطة بعبارات أدبية فضفاضة لا دقة علمية فيها. الحقيقة هي أن البلاد بخير. و”العام زين”. ما أجمله. لا غشاوة على أعين السلطة، هموم فقط، هموم سلطوية رقيقة..

شارك برأيك