حلُّها بيدِك! – اليوم 24
عصام واعيس
  • إعلام الغاب..

  • حماقات السلوك البشري..

  • تلك القنطرة بسيدي سليمان..

سياسية

حلُّها بيدِك!

الصحافة التي تلتزم بنقل الأخبار بأكبر قدر من التجرد والحياد، ونقل الآراء بأكبر قدر من التنوع والاختلاف معرضة للانهيار. القصص التي تبحث عن العلة وراء القرار والحجة في الفكرة والمنطق في المشروع والصدق في الوعد مهددة بالفناء. لا أقصد فناء الشكل، وإنما فناء الجوهر. فقد تبقى وهي فانية، أو تفنى وهي باقية، بقاء الجثث السائرة في مسلسل “ذا ووكين ديد”. أما بقاؤها شكلا ومعنىً فمسألة عويصة حلّها بيدك. وبما أنك، قارئي الكريم، المعني رقم واحد بالموضوع، فلا بد أن أفتحه معك!

لنبسط بدءا بعض الأطر العامة لأسباب تعرض صحافة الامتياز (التي تجمع بين جودة المضمون ورونق الشكل) لهذا التهديد في المرحلة الحالية. دون حصر، أجمل هذه الأسباب في ثلاثة. الأول، شبكات التواصل الاجتماعي التي رسخت انطباعا بأن الصحافة مهنة في متناول الجميع، ولا تحتاج غير الشرط التقني متمثلا في امتلاك جهاز مادي ومنصة رقمية لممارستها. وقد شكلت معضلة “الأخبار الزائفة” أبرز انعكاسات هذا الانطباع الزائف الذي ترسخ عند الناس خالطا عليهم الأمور. السبب الثاني، يتصل بكون الصحافة وجدت نفسها تخسر في الاقتصاد الرقمي أكثر مما تربح، لأن بينها وبين القرّاء وسيطا ماكرا (تطبيقات هاتفية، شبكات تواصل..) يقتات مما تكتبُ بشراهة تاركا لها الفتات، ولتطوير برامج اعتراض الإعلانات (Ad-blockers) التي تكبد المواقع الإخبارية التابعة للمؤسسات الصحافية خسائر فادحة. أما السبب الثالث، فيتصل بما تلقاه هذه الصحافة من محاصرة إشهارية وتضييق قضائي بسبب مواقفها وآرائها وهو تحد يكثر في الدول المتخلفة، حيث اختلاط الأنساب بين الاقتصادي والسياسي ظاهرة متفشية.

هذه الأسباب الثلاثة المجملة -غير الحصرية- جعلت الصحافة تتضرر بأشكال متفاوتة، بل غاية في التفاوت. فمثلا الجرائد والنشرات المتخصصة في أخبار المشاهير وتعقب العورات وهتك الأستار والإثارة ظلت بعافية جيدة نسبيا. واستمرت في الصدور ورقيا إلى جانب نسخها الرقمية. لأن أخبارها تخاطب غرائز إنسانية لا تنقطع، في صدارتها الجنس، ولأن مضمونها يعتمد بقوة أكبر على “الصور”. وحقوق ملكية الصور أكثر دقة في جانب التشريع من حقوق ملكية المكتوب، الذي قد يُجتزأ أو يُقتبس منه أو يُبتسر وحقوقه تبقى في الغالب مهضومة.

 

ما الحل إذن؟ تطرح إيميلي بيل، محررة قسم المال والأعمال سابقا بـ”أوبسورفر” ومديرة مركز “تاو” للصحافة الرقمية بمدرسة الصحافة التابعة لجامعة كولومبيا، ثلاثة خيارات. إما الاعتماد على وفاء القرّاء أو قل القرّاء الأوفياء وعدم الاكتراث، بالتالي بكم القراء، وإما الدخول في شراكات نوعية مع عمالقة التواصل الاجتماعي لاستكشاف فرص تتيح للمؤسسات الإعلامية الاستفادة ماليا من عرض منتجاتها بهذه الشبكات، وإما فتح الباب لإشهارات من نوع خاص تعرف بـNative Advertising يمكن أن نترجمها بالإشهارات المبطنة. أي الإشهارات التي تنجزها المؤسسة الإعلامية لفائدة الغير وليست تلك التي ترد عليها منها. وهو خيار يثير جدلا أخلاقيا بين مؤسسات الإعلام الجادة، بين من تحرّمه بالمرة ومن تحلّله بشروط.

هذه هي الخيارات الكبرى المطروحة حاليا على الطاولة لإنقاذ صحافة الامتياز، وهي كلها كما قد تكون لاحظتَ لا تخلو من مخاطر تمس باستقلالية العمل الصحافي. لذا اتجهت صحف عريقة في صدارتها “ذا غارديان” إلى الخيار الرابع: أنت. جعلت شعارها القارئ هو الحل. فكلما كان القراء على استعداد ليدفعوا للصحيفة ويساهموا ماليا لحماية استقلاليتها وامتيازها، صارت أقدر على الإبداع والاستمرار. وكلما كان القارئ مشبعا بنظريات المؤامرة على جيبه حين يتعلق الأمر بصحيفة جادة، غير مستحضر أن ما يخسره في غيابها أفدح بكثير مما يخسره في حضورها، صارت أقرب للفناء. ها هي المسألة مبسوطة بين يديك، وأنت وما ترى..

 

شارك برأيك