بين المعاداة والموالاة! – اليوم 24

بين المعاداة والموالاة!

  • نسيان العالم..

  • كيف تنهار الديكتاتوريات؟

لا شيء أخطر من التباس المفاهيم، وخصوصا بالنسبة إلى أولئك الذين يسعون إلى تحديد ما نعترض عليه. عموما يمهّد مثل هذا الالتباس، بشكل ضروري، لاضطراب في العقول وعنف في الأفعال. اليوم، غالبا ما يناهض المرء كل شيء وأي شيء دون أن يحدّد بدقّة ما يعترض عليه.
على سبيل المثال، أصبحنا نخلط بشكل متزايد بين “معاداة السامية” و”معاداة الصهيونية”. إن أشرس أنصار الحكومة الإسرائيلية باتوا يعاملون كل من تجرأ على انتقاد سياسة حكومة إسرائيل بشأن القدس كشخص معاد للسامية.
لهذا السبب، يتعين علينا، حرصا على الدقة، التمييز بين ثلاثة مفاهيم لا تربط بينها أية علاقة تقريبا. فمعاداة السامية تدل على أولئك الذين يكرهون الشعب اليهودي بكل أبعاده ملصقين به سلسلة من العيوب الخيالية. أما معاداة الصهيونية، فتشير إلى أولئك الذين يعترضون على وجود دولة إسرائيل. ومع ذلك لا يوجد مفهوم يشير إلى أولئك الذين يعارضون سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية بدون الحديث عن أولئك المعادين للصهيونية، أو بالأحرى المعادين للسامية. أقترح أن أسميهم “المناهضون لــ”بيبي”” في تلميح إلى لقب الوزير الأول الإسرائيلي الذي يقود هذه السياسة.
إن الكثير من الإسرائيليين والفلسطينيين، وذوي الإرادة الحسنة في العالم بأسره معادين لــــ”بيبي”، دون أن يكونوا معادين للصهيونية أو السامية. ووحدهم أنصار هذا الوزير الأول الكارثي في إسرائيل وخارجها لهم مصلحة في الحفاظ على هذا الالتباس لمدمّر.
لذلك من الضروري التذكير أن هناك حلا منصفا للقضية الإسرائيلية-الفلسطينية؛ سواء بالنسبة إلى الكثير من الإسرائيليين، والفلسطينيين، أم بالنسبة إلى العرب واليهود في العالم برمته، أم بالنسبة إلى ذوي الإرادة الحسنة. وهذا الحل، هو: دولتان، بحدود آمنة، ومعترف بها. بالنسبة إلى هؤلاء، تقود الـــ”بيبية” التي تعارض هذا الحل يوميا، وبشكل حتمي، إلى الاستحالة النهائية لإنشاء دولة فلسطينية دائمة. ثم إلى تخلي الفلسطينيين عن هذا الحل. ثم بعد ذلك إلى تأسيس الدولة الواحدة محوّلة إسرائيل بشكل فوري إلى جنوب إفريقيا جديدة، كما كان الشأن عليه زمن الميز العنصري. هكذا ستصبح على المدى الطويل أسوأ عدو لإسرائيل، وأسوأ عدو للصهيونية، وأفضل حليف لمعاداة السامية. وعلى هذا النحو يخلط الكثيرون بالازدراء ذاته بين الإسلاميين والفلسطينيين والمسلمين، بدل أن يميزوا بين هذه الجماعات بشكل واضح.
إن استمرار هذا الالتباس المزدوج، لن يُغرق الشرق الأوسط بمفرده في العنف، وإنما سيغرق أيضا كل مناطق العالم التي تتعايش فيها ديانات الكتب السماوية في سلام، وخصوصا تلك الموجودة في فرنسا.
من السابق لأوانه أن نقول بشكل واضح إننا نستطيع أن نعترض على نتنياهو وحماس، ونؤيد في الوقت نفسه السلام، ونحترم بعضنا البعض. كذلك ينبغي لهذه الاختلافات الجوهرية بين مختلف أشكال المعارضة أن يتم إدراكها في العديد من المجالات الأخرى؛ كالاقتصاد، والفن، والإيديولوجيا والجغرافيا السياسية. وعلى هذا النحو علينا ألا نخلط بين “معاداة أمريكا” و”معاداة ترامب”. “معاداة روسيا” و”معاداة بوتين”. كما يجب علينا أيضا أن نتوقف عن تغذية الكثير من الالتباسات الخطيرة الأخرى.
بشكل أعم، يستحسن بالنسبة إلى مجتمع متحضر يسعى إلى تحقيق السلام أن يُعرّف نفسه كـــمجتمع “موال” بدل “معاد” آنذاك سنكتشف، أن بمقدور المرء أن يكون في الوقت ذاته “موال لفلسطين” و”موال لإسرائيل”، “موال لأمريكا” و”موال لروسيا”، “موال لأوروبا” و”موال لفرنسا”.
ستكون الحياة أيسر، في كل أبعادها، إذا عرّفنا أنفسنا بما نوافق عليه، وليس بما نرفضه.
عن “ليكسبريس”
ترجمة: محمد حجي محمد

شارك برأيك