العدالة والتنمية… جدل الصلاحيات والمشروعية – اليوم 24

العدالة والتنمية… جدل الصلاحيات والمشروعية

  • الدولة وشيخوخة النخب

  • الغنوشي مؤسسا للتراجع الديمقراطي في المغرب!!

يعيش العدالة والتنمية على إيقاع ساخن بسبب واقعة تصويت الكاتب الجهوي بجهة سوس ماسة ضد مقررات الدورة الاستثنائية لجماعة تزنيت، التي يرأسها زميله في الحزب إبراهيم بوغضن.
جدل يستمد أصوله من التجاذب والخلاف الداخلي، الذي اندلع عقب إعفاء رئيس الحكومة المعين عبدالإله بنكيران وتشكيل حكومة العثماني، وانعكس على سير انتخابات المكاتب الجهوية، وتحول اليوم إلى جدل قانوني وأحيانا شرعي، يستصحب سوابق في تعامل القيادة مع سلوكات مثيلة، ذهبت بالبعض حد الاستشهاد بأحاديث نبوية حول مخاطر التعامل بازدواجية المعايير عند اختلاف الشخص موضوع النازلة.
والحقيقة، أن الواقعة – بغض النظر عن حيثياتها- ليست مهمة في حد ذاتها، ففي مثل هذه النوازل كانت قيادة المصباح تدرس الواقعة، وتتخذ القرار بناء على ثوابت ومبادئ ومساطر، ودون الحاجة إلى هذا الجدل الذي اشتعل على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما تواتر وقائع قريبة أو مشابهة لموضوع هذه النازلة، أصبح يؤشر على أزمة عميقة، تتجاوز الأبعاد التنظيمية والقانونية، وما إذا كان من صلاحية القيادة أن تخالف سوابق قانونية في الموضوع ذاته، أو كان لهذا الطرف أو ذاك الحق أن يملي عليها ما يمكن أن تتخذه من قرارات بهذا الشأن ويقيد صلاحياتها بسوابق معينة.
والحقيقة أن الذين لا يرون في الأزمة سوى بعدها القانوني والتنظيمي، سيتعبون كثيرا في الضغط على القيادة لإنتاج مواقف مشابهة لقرارات سابقة، لأنهم لا يدركون البعد العميق في الأزمة، والذي يتلخص جوهره في أزمة العلاقة بين الصلاحيات والمشروعية.
لتفكيك المعادلة، لا بد من استحضار وقائع أثارت تقريبا الجدل نفسه، وإن كان بعضها من داخل التدبير الحكومي، أولاها واقعة الطريقة التي اختار بها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية نائبه وأمانته العامة رغم الدروس الواضحة التي تركها مؤتمر حزبه العاشر، وثانيها واقعة إقدام وزيرين من الحزب نفسه بفتح مجال الترشيح لشغل منصب مدير مؤسسة التعاون الوطني في وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، ومنصب مدير صندوق المقاصة في وزارة الشؤون العامة والحكامة، مع أن “المعزولين” يتمتعتان بأعلى مواصفات الكفاءة التدبيرية في مجال اشتغالهما، وشكلا أحد العناوين التفصيلية في مشاريع الإصلاح في حكومة عبدالإله بنكيران.
من حيث مقتضيات القانون، لا أحد يمكن أن يجادل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أو رئيس الحكومة أو وزرائه أو الأمانة العامة لحزبه في الصلاحيات المناطة بهم. فمن حق الأستاذة بسيمة الحقاوي أن تفرغ وزارتها كاملة، وتعلن عن شغور المناصب فيها، وتعلنها للتباري، ويمكن للدكتور لحسن الداودي أن يفعل الشيء نفسه أيضا، فهذا مجال اختصاصهما وصلاحياتهما، كما يمكن للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أن تحيل موضوع خرق هذا المسؤول أو ذاك على الهيئات الانضباطية، أو تجتهد في بلورة خيارات أخرى، كما كان للأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن يرشح للأمانة العامة فريقا من أنصاره ولا يترك الفرصة لأي مخالف له أن يجد موقعه في القيادة. لكن في المحصلة، فإن الإقدام على قرارات غير معقولة بهذا الشكل بالتذرع بالصلاحيات القانونية، لن يضمن المشروعية، ولن يرضي المجموع، حتى مع رفع العتاب القانوني، بل على العكس من ذلك، سيخلق حالة غير مسبوقة في حزب المصباح، من اعتماد منطق الغلبة بدل تجميع اللحمة، وتصفية الخصوم بدل اختيار الكفاءات ودعمها، ودعم المقربين بدل الانتصار لروح وجوهر القانون، والتحول مع الزمن إلى لوبيات وكتل متصارعة، يسعى كل طرف أن يتقوى على الآخر على حساب القيم المرجعية التي أطرت الحزب، وكانت سببا في انتصاره في العديد من المحطات الانتخابية والسياسية.
ولذلك، فإن الذين يحتجون اليوم، على مثل هذه القرارات ويُواجهون بلغة الصلاحيات القانونية، سيجدون أنفسهم اليوم، أو غدا أمام معركة أخرى قانونية تتمثل في المطالبة بتعديل هذه الصلاحيات، وسيتحول المجلس الوطني، وبشكل خاص لجنة الأنظمة والمساطر إلى حلبة للحرب، وهذا ما يفسر السبب الذي جعل أغلب كفاءات الحزب تختار هذه اللجنة رغم أن كثيرا منهم لم يكن يسجل نفسه ضمنها، لأنه أصبح يدرك أن المعركة القادمة ستحسم بالقوانين وصراع المساطر، وتلك أزمة أخرى دخلت العدالة والتنمية، ولا أظن أنه سيخرج منها ما لم يلتفت إلى أهمية بناء المشروعية ورعايتها بدلا من السعي وراء لغة الصلاحيات.
ظهرت هذه الأزمة بوضوح في خطاب الدكتور سعد الدين العثماني غذاة انتخاب مكتب المجلس الوطني لحزبه، حين ردد ما سبق أن أكد عليه الأمين العام السابق عبدالإله بنكيران، حين قال إن حزب العدالة والتنمية هو جسد واحد، وأضاف إلى ذلك جملة أكثر دلالة حين قال “إن للحزب قيادة واحدة”، في تنبيه لمن يعتقد بأن المجلس الوطني يمثل قيادة موازية للأمانة العامة.
لكن، لا تكفي مثل هذه العبارات، ولا عبارات المجاملة التي تقال عن الأمين العام السابق وحكومته الإصلاحية، وكون هذه الحكومة أو هذه القيادة تسير على خطى الحكومة والقيادة السابقة… لا تغني هذه اللغة لتدبير هذه الأزمة التي بدأت تأكل من المشروعية رويدا رويدا.
أمام قيادة المصباح خياران، لا ثالث لهما، ترك قضية الصلاحيات جانبا، والعودة لمنطق المشروعية والاستيعاب، أو تحكيم منطق الصلاحيات للحزم هنا والترخص هناك، وتقريب المقربين هنا، ومعاقبة المخالفين هناك.
في الحالة الأولى، التي ستحتاج بدون شك إلى قدر كبير من الصبر والتحمل والمصداقية، وربما، تحمل بعض الأذى، ستنتهي القيادة – ولو بعد حين- إلى كسب معركة الثقة. أما في الحالة الثانية، فستساهم بنفسها وبقوة في تحويل الداخل الحزبي إلى حلبة صراع بين جناحين أو أكثر لا تتوقف جذوتها، وستكون القوانين والمساطر هي وقودها الحارق الذي لن يخمد، كما ستكون لجان الانضباط وهيئات التحكيم التي لم تكن تشتغل إلا قليلا في المراحل السابقة الأكثر كثافة، من حيث حجم القضايا المعروضة عليها، بل ستكون هي الأخرى جزءا من آلة الاحتراب الداخلي الذي سينهك الحزب ويقرض جزءا مهما من شعبيته.

شارك برأيك