بعض التأملات الاقتصادية الجاحدة – اليوم 24

بعض التأملات الاقتصادية الجاحدة

  • عندما تحدثُنا كرة القدم 
عــن أشيـــاء كثيــــرة أخــــرى…

  • المجتمع المشلول

ثمة مفاهيم كثيرة لا نستطيع تجنبها أو تجاوزها، ونادرا ما يتم إعادة النظر فيها، اللهم إذا استثنينا بعض الاقتصاديين المنبهرين بها والجاحدين لها على حد سواء، أولئك الذين تُحركهم كفاءتهم في الغالب، وسوء نيتهم في بعض الأحيان.
ينطبق هذا الأمر على المديونية العامة. إن الحجة الرئيسة التي يستند إليها العديد ممن يعتبرون أن المديونية العامة لا تمثل عقبة أمام الإنفاق العام، وأن بإمكانها أن تكون أعلى بكثير مما هي عليه اليوم، هي الحجة التالية: إننا نقيم الدنيا ولا نقعدها عندما تصل المديونية العامة إلى 100 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يظل هذا المبلغ أقل بكثير من ديون الشركات الخاصة، وحتى الديون الخاصة للأسر. لنأخذ على سبيل المثال أسرة ترغب في شراء شقة: يمكن لهذه الأخيرة أن تقترض ما يصل إلى 7 أضعاف دخلها السنوي، بشرط أن تخصص للقرض 30٪ من دخلها لمدة 25 عامًا. وهذا ما سيجعل، حسب رأيهم، مديونية الدولة تصل إلى 700٪ من الناتج المحلي الإجمالي. لكننا لانزال بعيدين كل البعد عن ذلك!
هناك انتقادات كثيرة يمكننا توجيهها إلى هذا الاستدلال. أولها، يجب ألا نقارن مديونية الدولة بالناتج المحلي الإجمالي، وإنما بدخل الدولة التي تسدده هي نفسها وبمفردها. وبما أن دخل الدولة يمثل 20٪ من الناتج المحلي الإجمالي، فإن المديونية العامة تعادل أصلا 5 سنوات من الدخل. علاوة على ذلك، فإن تخصيص 30٪ من إيرادات الدولة لمديونيتها سيكون مكلّفا جدا، خاصة وأن الدولة خلافا للشخص الذي يشتري منزلا، تستخدم جزء من هذه المديونية في تمويل النفقات الحالية، وهذا لا يؤدي إلى بناء إرث مثل شراء منزل. أخيرا، سيكون من الحماقة بمكان أن نخوض في الديون لمدة 25 عاماً، علما أن الدولة لا تستطيع أن تستدين بمعدل ثابت أكثر من 7 سنوات؛ لأن مخاطر مثل هذا الدين الطويل المدى ستكون هائلة، خصوصا عندما يكون نصفها مملوكًا من قبل الأجانب، كما هو الحال في فرنسا.
ومن الحجج التي يتذرع بها هؤلاء الجاحدون من رجال الاقتصاد لتبرير موقفهم، الحجة التالية: “لا يمكن للدولة أن تفلس”. لقد رأينا ما كلفّته هذه الحجة للدولة اليونانية التي ضحت بالغالي والنفيس من أجل تسديد قروض دائنيها.
لذا، يظل التحكم في المديونية العامة وتقليصها إحدى أولويات الدولة.
في المقابل، هناك انتقاد آخر يوجهه الاقتصاديون الأرثوذكسيون، أي الليبراليون، إلى الوضع المالي في فرنسا وينصب، أساسا، على الخصومات الإجبارية. لكن مثل هذا الانتقاد يظل قابلا للاعتراض عليه.
نسمعهم يكررون باستمرار أن معدل الخصم الإجباري الفرنسي غير مقبول، ولا يحتمل، وهو أعلى معدل في العالم، ولذا يجب أن ينخفض. وهذا غير صحيح.
في الواقع، تغطي هذه الخصومات النفقات التي يموّلها –جزئياً- المستهلكون أنفسهم في بلدان أخرى. وينطبق هذا الأمر على التعليم والصحة؛ إذ يتم تغطية هذه النفقات الخاصة، بشكل عام، من خلال التأمين الذي يمكن أن يكون إلزاميا أو اختياريا، أو عن طريق الاقتراض، الذي يكون تسديده إلزاميًا مثل أقساط التأمين أو الضرائب.
كذلك ينبغي مقارنة الإنفاق العام الفرنسي بمجموع الإنفاق العام الخارجي، وأقساط التأمين وتكاليف الاقتراض بتمويل الخدمات نفسها في الخارج. وهنا نصل إلى نتائج متقاربة جدًا؛ وأحيانا أعلى في البلدان التي يتم فيها تمويل هذه النفقات عن طريق أقساط التأمين والقروض؛ لأنه لا بد أن ندفع، فضلا على ذلك، مبلغ الأرباح المحفوظة من قبل شركات التأمين والبنوك.
كلا، ليست نسبة الخصومات الإجبارية في فرنسا مرتفعة للغاية. لكن طبيعة مجتمعاتنا الحديثة هي التي تدفع المرء إلى تجميع عدد كبير من الخدمات، سواء تم تمويلها عن طريق القطاع العام أو القطاع الخاص.
في هذا الوقت الذي يتغير فيه كل شيء، لا سيما بفعل العالم الرقمي والحركات الجيوسياسية، تظل هناك العديد من المواضيع الأخرى التي تستحق أن تُلقى عليها نظرة جديدة. لا شيء مقدس بعد الآن. حتى الأرقام نفسها.

ترجمة: محمد حجي محمد
عن ليكسبريس

شارك برأيك