تدوير الحزب الأغلبي! – اليوم 24

تدوير الحزب الأغلبي!

  • خُطاف واحد لا يصنع الربيع!

  • الإجماع الوطني…بأي معنى؟

عملية التدوير “recyclage” في الاقتصاد الحديث، تدل على درجة الوعي بالمخاطر البيئية للكثير من المواد التي يتم استهلاكها على نطاق واسع، وهذه العملية في كثير من الأحايين تشكل جوابا تقنيا وعلميا عن مخاطر نفاذ بعض المواد الأولية من مكامنها في الطبيعة، هذا في مجال البِيئة والاقتصاد، فما علاقة كل ذلك بالسياسة؟ ربما تكون بلادنا الدولة الوحيدة التي نقلت هذا المنطق من المجال البيئي إلى مجال السياسة! وهذه واحدة من خصوصيات بلادنا.. فالحديث عن الخصوصية يغري الكثيرين هنا…، لقد تفتقت العبقرية لدينا عن تدوير الأحزاب السياسية، وبصفة خاصة “الحزب الأغلبي”، هذا الحزب يشكل فعلا حالة خاصة في التجربة المغربية منذ الاستقلال إلى اليوم. كثيرون يتساءلون عن ماهية “الحزب الأغلبي”؟ إنه اختيار يقوم على رفض الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية، وعلى تمييع التعددية الحزبية، وتوظيفها من أجل واجهة ديمقراطية خادعة، مع التضييق الممنهج على الأحزاب الحقيقية التي تحمل مشروعا مجتمعيا وسياسيا مناقضا للاختيارات الرسمية للدولة، إنها باختصار مركب مصلحي يسعى إلى توظيف مؤسسات الدولة ومواردها لخدمة حسابات شخصية، كل ذلك بالتعسف على الدستور وبتقويض وظيفة المؤسسات، وتعطيل سلطة القانون، وإفراغ الانتخابات من المعنى، فهذا الحزب لا يتأسس من أجل المنافسة على المقاعد في البرلمان والجماعات الترابية، بل ليفوز بها…، ولكي تكون لديه الأغلبية، ولذلك سُمي بـ”الحزب الأغلبي”.

انطلقت تجربة “الحزب الأغلبي” مع “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” المعروفة بـ”الفديك”، وذلك في أول انتخابات تشريعية عرفتها البلاد في ماي 1963، علما أن البلاد لم تعرف دستورا منذ إعلان الاستقلال سوى شهور قبل ذلك التاريخ، حيث لم تكن هناك مؤسسات دستورية أصلا للدفاع عنها، قاد أحمد رضى اكديرة تلك التجربة الأولى بعدما كان قد أسس الأحرار (…) المستقلين، فكانت بداية مسلسل لم ينته إلى اليوم، إذ في كل مرة يتخذ “الحزب الأغلبي” لونا ورمزا و”زعيما” جديدا، لكنه يظل وفيا للفكرة التي أطرت نشأته الأولى.

لم تستمر تجربة “الفديك” سوى سنتين ليتم بعدها إعلان حالة الاستثناء سنة 1965 وقبل ذلك، سيتم إعفاء عُرّابها رضى اكديرة في يونيو 1963؛ أي شهرا واحدا بعد الانتخابات، وذلك بعدما عجزت الجبهة، رغم حجم الإمكانيات الهائلة التي منحت لها، أن تحصل على أكثر من 69 مقعدا وهو مجموع المقاعد التي فاز بها كل من الاستقلال والاتحاد الوطني، فلم تستطع الجبهة بذلك أن تحقق الهدف السياسي من نشأتها وهو تحجيم حضور الأحزاب الوطنية، التي استطاعت بقياداتها التاريخية أن تبصم على حضور وازن في أول تجربة برلمانية، لتدخل البلاد بعد أقل من عشر سنوات على الاستقلال في نفق مظلم، كاد يعصف بالنظام السياسي سنتي 1971 و1972، وبعد تشكيل “الكتلة الوطنية” كانت هناك آمال في طي صفحة الماضي وأن تترسخ القناعة بأنه ليس هناك من حل للأزمة التي تعرفها البلاد سوى باحترام إرادة الشعب، لكن ذلك لم يتحقق، كما لم يتم استثمار حالة الإجماع الوطني حول قضية الصحراء سنة 1975، بل على العكس من ذلك، تم استثمار تلك الوضعية في إعادة تنشيط ممارسات “الحزب الأغلبي”، فكان الموعد معه مجددا بمناسبة الانتخابات التشريعية لسنة 1977 التي أنهت حالة الاستثناء شكليا، إذ سيتم منح الأغلبية للمرشحين الأحرار الذين سيتشكل منهم حزب ليقود الحكومة بـ 140 مقعدا، المنهجية ذاتها ستستمر سنة 1984، حيث سيتم منح “الاتحاد الدستوري”، حديث التأسيس، الرتبة الأولى بـ81 مقعدا.

بداية التسعينيات من القرن الماضي كان هناك رهان على تناوب توافقي بعد ما بلغت البلاد مرحلة السكتة القلبية، وبعد أن أثبتت تجربة “الحزب الأغلبي” أنها بلا أفق ولا تحمل أي جواب استراتيجي لا على سؤال الديمقراطية، ولا على سؤال التنمية، بل تشكل مخاطر جدية على البلاد، وحتى عندما تحقق “التناوب” بتشوهاته البنيوية، عاد الرهان مجددا على “الحزب الأغلبي” سنة 2009 بنية غلق قوس وهم الانتقال الديمقراطي، فكانت تجربة الأصالة والمعاصرة التي أثبتت أن رؤية 1963 لازالت هي الاختيار الأساسي، وما عداها لا يمثل سوى استثناء يؤكد القاعدة.

اليوم، تتم تنشيط ممارسات الماضي البعيد منه والقريب، ويتم إعداد “الأحرار” مرة أخرى للعب وظيفة “الحزب الأغلبي”، بالأسلوب ذاته وبالطريقة نفسها، في دورة عبثية لا تقيم وزنا لا لدروس التاريخ الوطني، ولا دروس الجوار…، لقد قال إنشتاين بأن “الغباء هو فعل الشيء نفسه مرتين بالأسلوب ذاته والخطوات نفسها، مع انتظار نتائج مختلفة”. فبماذا يا ترى يمكن نعت القيام بالشيء ذاته أكثر من مرتين؟

loading...

شارك برأيك

omar

يمكن نعته بالإرهاق السياسي المؤدي إلى الإحباط

إضافة رد