المشروع – اليوم 24

المشروع

  • دروس روتينية من حملة صغيرة

  • سحر عيوش

«المشروع» حركة سياسية في تونس، تأسست على عجل قبل عامين، بعد خروج مؤسسها، محسن مرزوق، من عباءة الوجه المزركش لنظام زين العابدين بنعلي (نداء تونس)، الذي قاده الباجي قايد السبسي، وسرق نتائج الانتخابات هناك بالكيفية نفسها التي حاول البعض القيام بها في المغرب عام 2016 ثم فشل، جزئيا على الأقل.
«المشروع» تحول سريعا من حركة مزعومة للديمقراطيين في هذا البلد إلى حزب سياسي، وخلال ذلك، جمعت تحت جناحها خليطا بشريا متناقضا، عبارة عن منظرين سابقين للحزب الاشتراكي الدستوري (RCD)، الذي قاد تونس بقبضة حديدية طيلة ربع قرن قبل أن تحرق مقراته في هبة الربيع العربي، وأيضا شيوعيين تائبين، ويساريين تائهين، وأشخاص لم يعرفوا للعمل السياسي طعما من قبل.
هذه وصفة مجربة في المغرب، ونطلق عليها حاليا اسم حزب الأصالة والمعاصرة، وهي التلخيص المثالي للشعور بالانقباض من أي تقدم ديمقراطي. ولأن «البام» وأصحابه مولعون بالتجربة التونسية كما كانت قبل 2011، فإنه سيكون سليما، إن لم يكن الأسلم، أن يجدوا أنفسهم بجانب هذا «المشروع». وبالطبع، حدث ذلك.
في الأسبوع الماضي، كان إلياس العماري ضيفا على حركة «المشروع» في تونس، حيث صدر «إعلان المنستير» مبشرا بميلاد «شبكة للأحزاب الديمقراطية في منطقة شمال إفريقيا». داخلها، تجمعت هيئات بالكاد تملك امتدادا جماهيريا، وعمرها لا يبلغ سن صبي يحاول المشي. كما أن أغلب مؤسسيها من المسؤولين الرسميين الكبار الذين حكموا في مراحل قاسية من تاريخ بلدانهم.
وحيث يكون إلياس، تكون رائحة العداء للإسلاميين مستفحلة، فذلك رأسمال لا ينضب. لذلك، ليس مستغربا أن يتقاسم شركاؤه الجدد الكره الشديد للإسلاميين، وإن كانوا قد منوا جميعا، بعد 2011، بالهزائم المتتالية في مواجهتهم حول صندوق الاقتراع.
لم يلق «إعلان المنستير» ترحيبا كبيرا، ولم يتضمن أي ملمح للاستنارة التي يمكن أن يوحي بها بيان صادر عن ليبراليين تقدميين، لكن إلياس متمسك، كما فعل طول عهده، بأن يُحول ذبول الوجوه وهي تتلو ذلك الإعلان، إلى ينبوع هبّة سياسية يانعة.
لجوء إلياس إلى تونس بحثا عن شركاء جدد خارج البلاد بشأن «مشروعه»، بات من أحكام الضرورة، فهو بالكاد يجد حليفا في بلاده، اللهم إذا استثنينا جبهة القوى الديمقراطية التي لا يُسمع عنها شيء. وأن تكون منبوذا ليس معناه الاستسلام. مازال إلياس يتأبط مشروعه، محاولا بيعه بالثمن نفسه.
لكن، ليست هذه أول مرة يفعلها. قبل ثلاث سنوات، تأبط إلياس مشروعه وباعه إلى مستثمرين كويتيين وقبض الثمن. كان عبارة عن «عملاق» في الإعلام والتواصل يغذي «المشروع» السياسي لحزبه. صحف ومجلات ومطابع. 7 ملايير، على الأقل، أنفقت ببذخ في مشروع أفلس بعد عام. صُرف العاملون من الصحف، وأُغلقت المجلات.. أما مطبعة «بريستيجيا»، التي كانت تاج المشروع، فقد انتهى أمرها، ونُقلت من ضواحي الرباط إلى موقع منزو في حد السوالم، على حين غرة، بعدما سلمت لشركة بديلة، كما جرت العادة على ذلك.
ويحدث أن يفطن الناس إلى بائع السلع المغشوشة، أو المزيفة بشكل هزيل. لم يعد «البام» يستقطب أحدا، والناس يقفزون منه مثلما يفعلون عادة عندما تغرق سفينة. كمّ الاستقالات التي تصل إلى مقره يبعث على الأسى. وبالطبع، الاستقالة الوحيدة التي لم تصل هي استقالة الزعيم. لقد وضعها في جيبه، وتصنّع عودة مطلوبة من الجماهير.
أفلس «المشروع»، وأصيب أصحابه بـ«الخرس»، غير أن إلياس أيضا لم يعد هو إلياس؛ بات الرجل مهووسا بأصدقائه الذين خذلوه، وأصدقاء أصدقائه الذين أهملوه. يخصص لهم تدوينات مليئة بمشاعر الحسرة، قبل أن يترك كل شيء لفترة، ويتفرغ للكتابة عن أعداء أصدقائه: الإسلاميون. ورغم ذلك لا أحد يلتفت. ليس غريبا، إذن، أن يسافر لاحقا، بعيدا عن البلاد، بحثا عن «المشروع» عند من يفهمونه حقا.

شارك برأيك