نقابـــــــــة سعيـــــــدة – اليوم 24

نقابـــــــــة سعيـــــــدة

  • دروس روتينية من حملة صغيرة

  • سحر عيوش

لا يمكن أن ترى زعيم نقابة إلا مكشرا عن أسنانه، فوظيفته في الحياة أن يقنع الوجوه الشاحبة لجماهيره -وأغلبهم يطمح فقط إلى رؤية ما يحدث عندما يتجاوز المرء حاجز الحد الأدنى للأجر- بأن للغضب مردودية. النقابي البارع لا بد أن يمتلك ناصية صلبة، تشبه تلك التي كانت لدى قادة المليشيات المسلحة في غابات جمهوريات الموز. باليد والحديد، تضمن الحقوق عادة، ولا مجال للابتسامات المتكلفة.

الزعيم لا يظهر مبتسما وهو يفاوض السلطات علنا على حقوق العمال، لأنه يدرك أن المفاوضات غير مجدية، ولم يتحقق شيء في ما سبق بالتفاوض العلني، ولا كان هم الزعيم أن يفاوض أحدا. إذا راجعتم الصور، فإن الزعيم لا يتأبط ملفا، ولا يحمل ورقة ولا قلما. تراه جالسا، مركزا نظره على مفاوضه الحكومي، ثم يتثاءب قليلا وهو يتفحص قنينات المياه وبعض الحلوى الموضوعة للزينة فوق الطاولة. تنتهي اجتماعات الزعيم في وقت وجيز، وتترك التفاصيل للمساعدين الإداريين الذين تغريهم تقنيات الحساب. ويغادر الزعيم دوما المفاوضات وهو مكفهر الوجه، معكر المزاج، يركب سيارة فخمة، غالبا من طراز الـBMW، ثم يذهب إلى حال سبيله.

لكن الزعيم يبتسم أيضا، لكن ليس لـ«جماهيره» التي ينظر إليها مثلما يحملق رب عمل بازدراء إلى أجرائه قبيل آخر الشهر. الزعامات لا تصنعها الاستعراضات البروتوكولية للمفاوضات ذات المردودية المحدودة. لا يمكن أن تستمر زعيما على نقابة إن لم تكن قادرا على جعلها توزع الأرباح كل آخر عام، كما تفعل أي شركة مع مساهميها الكبار.

الزعامات جزء من فكرة التناوب نفسها، أو مرضها الجانبي الذي أصبح، بمضي السنين، مرضا عضالا: الاتفاق الضمني على إعادة توزيع الثروة بين الزعيم وأصحابه ومساعديه، وأيضا الزوجات والأبناء، ولم لا العشيقات أيضا، وعدم ترك الفتات لأحد آخر. هؤلاء يشبهون حاملي السهم الواحد، والفتات الذي يصل إليهم عادة ما يكون عبارة عن هبة. اسألوا عباس الفاسي، فإن لديه التفاصيل.

لا يشعر الزعيم الآن بوخز الضمير، فقد تحولت النقابات في عهده، بالفعل، إلى شركات مجهولة الاسم، وأضحى الزعيم رجل أعمال كبيرا، وأصدقاؤه هم رجال الأعمال الآخرون. إنه لا يسأل عن حقوق أحد، لكنه يطلب كشف الحساب في آخر العام.

الزعيم لا يخاطب شعبه إلا من على منصة بعيدة، محاطا بفيلق من الحراس الشخصيين. ولم يعد مهما أن يكون الزعيم اشتراكيا أو رجل أعمال متنكرا، فالزعيم هو من يقتنص الفرصة ويعقد الصفقة. ذهب زمن اليد الطولى المرهبة للزعيم، وبقي حسابه البنكي موضع حسد النفوس الظمأى إلى تعويض زهيد عن الأولاد. ليس هناك شيء عملي في النقابة بعد الآن، ولا فائدة من تغيير الزعيم. سرقت الصناديق بأيدي الذين كانوا يطالبون علنا بحمايتها.

العمال لا يتبعون الزعيم طوعا ولا قسرا، لكنهم منقادون إليه. ومثلما حدث في «مزرعة الحيوان»، تميل أرواحهم إلى تلك اللحظة السنوية من الاتصال المباشر بالزعيم، حيث تشعر الجماهير بأنها جزء من الزعيم، وتطلق على المناسبة اسم عيد. وبعدها يتفرق الجمع، وتضمحل اللحظة.

والجماهير نفسها في طور الاضمحلال، تظهر في عيد العمال ثم تختفي، لم تعد تسير في المظاهرات، ولم يعد يهمها الإضراب عن العمل، إلا إن كان معناه عطلة مدفوعة الأجر. ومع ذلك، فإن «الجماهير» لم تستفق تماما، لكنها فطنت إلى اللعبة.

هذه ليست نهاية حزينة. في عيد العمال، نلمح وجوه السعادة. إن النقابة السعيدة يصنعها «زعماء سعداء»، لا الجماهير السعيدة. وإذا كنت تبحث عن شيء آخر في عيد العمال غير سعادة الزعيم، فإنك، دون شك، قد أخطأت الطريق إلى قلب النقابات.

شارك برأيك