في الأسلوب التواصلي لنخب المال الموضوعة في واجهة السياسة – اليوم 24

في الأسلوب التواصلي لنخب المال الموضوعة في واجهة السياسة

  • أسئلة حول النموذج التنموي الجديد

  • حكومة تحت الضغط !

ثمة ملاحظة جديرة بالتأمل ترتبط بالأسلوب التواصلي لنخب المال الموضوعة في واجهة السياسة.

بالأمس القريب، وتحديدا عند لحظة “البلوكاج” الحكومي، لم يصدر عنها من المواقف المعبر عنها والخرجات الإعلامية ما يكفي لتكوين صورة عن هذا الأسلوب، فقد صدرت عنها مواقف محدودة في شكل بيانات صِيغت بشكل جماعي مع مكونات حزبية، بعضها له تقاليد سياسية وتواصلية، ولم يكن ذلك كافيا لتكوين صورة واضحة عن هذا الأسلوب.

لكن، اليوم، لدينا عدد من العينات التواصلية التي أنتجت في سياقات مختلفة، سواء في جولات جهوية، أو في خرجات منظمة في الإعلام العمومي وبعض الصحف والمواقع، فضلا عن مواف معبر عنها في قضايا كبيرة مثل قضية المعاطعة الشعبية.

بدءا، لا بد من التمييز بين السياقات الاستعراضية، التي يكون فيها التواصل احتفاليا، أو للدقة انتخابيا، والتي تحضر فيه عدد من الاعتبارات التي تجعله تواصلا منظما ومدبرا ومتحكما فيه، وبين السياقات السياسية التي تفرض فيها بعض التحديات جوابا تواصليا يكشف عن نوع التعاطي السياسي لهذه النخب، والصورة التي يرسمها الرأي العام عنها.

في السياقات الاستعراضية، يمكن أن نرصد أربع سمات لهذا الأسلوب التواصلي الذي دشنه عزيز أخنوش في جولته في المؤتمرات الجهوية لحزبه، إذ بدأ بإعادة التأسيس لصورة حزب التجمع الوطني للأحرار من خلال الارتكاز على الماضي التاريخي والسياسي لعائلة أخنوش وربطه بالحركة الوطنية، ثم رفض التورط في أي نقاش سجالي يلصق النزعة الشعبوية بهذا الحزب، والاتجاه نحو البعد العملي البراغماتي. وأخيرا، محاولة إظهار الفاعلية والنجاعة من خلال عرض مقترحات وإجراءات قادرة على تغيير صورة  المغرب.

غير أن هذا الأسلوب التواصلي الذي خضع لعملية تنظيم قبلي، لم يصمد  كثيرا في اللحظة التي فرضت المقاطعة الشعبية تحديا سياسيا مزعجا، إذ تغيرت هذه السمات تماما، فارتسمت في مقابلها صورة أخرى لتواصل سياسي متشنج مطبوع بصفة العناد السياسي، ولغة مواجهة وتحد، لم تؤطر بأي خلفية سياسية أو حتى تواصلية.

بدأ الأمر، بلغة الاستخفاف بالمقاطعين، وكون فعلهم المقاطع  لا يعدو أن يكون فعلا افتراضيا على الإنترنت لا أثر له في الواقع، ثم تحول إلى لغة عناد ومبارزة شعبوية حاول فيها عزيز أخنوش إبراز قدرته كشخص ونخبة مال على المقاومة وعدم الاستسلام في مواجهة أثر المقاطعة الشعبية، ثم سقط في النزعة الشعبوية والسجالية حين  حاول بعض قيادة حزبه إضفاء البعد السياسي على المعركة، محاولين حرفها عن اتجاهها باتهام حزب سياسي بكونه وراء ذلك، ثم ركوب لغة الاستفزاز من خلال افتتاح معرض مكناس للفلاحة بشرب الحليب، ثم إنتاج لغة المواجهة والقدح والتخوين حين تم التوجه مباشرة إلى اتهام المقاطعين بـ”المداويخْ”، فيما ذهبت بعض نخب المال إلى لغة التخوين.

خلاصة هذه المقارنة، أن ثمة فرقا كبيرا بين الأسلوب التواصلي لنخب المال في الحالة الاستعراضية التي يكون فيها تواصلها منظما ومتحكما فيه وفي مكوناته ووسائله، ومن غير مفاجآت ولا سياق تحديات سياسية مزعجة، وفي حالة التواصل المباشر الذي تفرضه التحديات الطارئة.

في الحالة الأولى، تكون الصورة مضللة لأنها أشبه ما تكون بالصناعة التواصلية المتحكم في جميع أدواتها وعناصرها، أما الحالة الثانية، فتعكس بوضوح، ليس فقط، حقيقة الأسلوب التواصلي الذي تستطيعه نخب المال الموضوعة في واجهة السياسة، ولكن يعكس في الجوهر حدود قدرتها على ممارسة السياسة في لحظاتها الصعبة، والتي تتطلب قدرا كبيرا من الاستيعاب والاحتواء والفهم قبل ارتكاب أخطاء مكلفة.

العلاقة بين الأسلوب التواصلي وبين أسلوب ممارسة السياسة متصلة وجدلية، فالأول يعكس الثاني، والثاني يؤسس للأول ويوجهه. وفي مثال نخب المال الموضوعة في واجهة السياسة، لا يهم كثيرا التحكم في وسائل الإعلام ولا القدرة على توفير جهوزيتها لتصريف التعبيرات الممكنة، ولكن المشكلة في هذه التعبيرات نفسها إذا كانت تقوم بوظائف تواصلية عكسية. وهذا الذي وقع بالفعل، فعدد وسائل الإعلام والتواصل التي نقلت تعبيرات هذه النخب كثير جدا، لكن محتوى هذه التعبيرات لم يكن بالضرورة خادما لهذه النخب، بل كان يسير في الاتجاه المعاكس تماما، وهذا ما يعكس بالفعل أزمة هذه النخب، كما أزمة السياسة في المغرب التي تراهن على هذه النخب لإعادة صياغة الحقل  السياسي.

النتيجة التي يمكن تحصيلها من هذه الملاحظة التي انصبت على الأسلوب التواصلي لهذه النخب، أن قدرتها على ممارسة السياسة جد محدود، وأن أسلوبها في التواصل في اللحظات الصعبة يجعل الارتهان إليها في إعادة تأسيس السياسة خطرا على الاستقرار السياسي والاجتماعي معا.

شارك برأيك