الاحتكارات لا تصنع «أبطالا» وطنيين… – اليوم 24

الاحتكارات لا تصنع «أبطالا» وطنيين…

  • الديمقراطية أو الطوفان…!

  • المدرسة التعاونية

لقد تشكل الاقتصاد المغربي في ظل تبعية مفرطة نتيجة سنوات الاحتلال الفرنسي، وقد أثر هذا الواقع على تأخر بروز قطاع خاص مبادر، حيث أن النموذج الاقتصادي الذي رسخته فرنسا كان يتمحور أساسا حول اقتصاد ريعي تبعي يلبي حاجيات الصناعات الفرنسية من المواد الأولية . فالمقيم العام الفرنسي الماريشال ليوطي كان يرغب في أن يتسم الاقتصاد المغربي بالتبعية لفرنسا .

لقد كانت الحاجة ملحة بالنسبة لدولة الاستقلال أن تترسخ عبر نفوذ متزايد للقطاع العمومي، ولم تكن هذه العملية ترتبط فقط بسد عجز القطاع الخاص، بل كانت لها أهداف أخرى ترتبط، فضلا عن تحقيق التنمية الاقتصادية، بالضبط السياسي والتحكم في تشكيل المجتمع الجديد والنخب الصاعدة في دولة الاستقلال وكان هذا التدخل من الزاوية التي تنظر إلى البنية الاقتصادية كما يقول الراحل إدريس بنعلي ..”كوعد للتقدم، وذلك يؤدي بالدولة إلى لعب دور المنتج والناشر للعلاقات السلعية.

وفي نفس الوقت ضامنها. فالاقتصاد تتكفل به إدارة ممركزة، وينظر إليه كمورد لتطوير المجتمع وإرساء التعددية السياسية، وموكولة له أيضا وظيفة إضفاء المشروعية” ، و يضيف بنعلي أنه “أمام التأخر التكنولوجي والضعف المؤثر في العنصر البشري الذي كان خارج دائرة اهتمام المستعمر الفرنسي الذي رعى استغلال 7 % من السكان الأوروبيين لحوالي 30 % من خيرات البلاد، وعبر احتكار حوالي 3 ملايين هكتار من الأراضي الخصبة، في حين كان أكثر من 3 ملايين و600 ألف فلاح مغربي بدون ملكية”.

لقد أصبحت الدولة بعد الاستقلال المقاول رقم واحد، ففي نهاية الثمانينات كانت الدولة تملك أو تساهم بشكل رئيسي في حوالي 962 مقاولة تنشط في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي من الفوسفاط إلى الأبناك والفنادق ووصولا إلى توزيع الجرائد، باختصار كان المغرب يعيش عمليا رأسمالية الدولة، وظل القطاع الخاص قطاعا هامشيا، فالبعض اعتبر أن نمو القطاع العمومي في تلك الفترة كان ضمن ثقافة ليبرالية سادت مرحلة الستينات، تعتبر الأمر يدخل في إطار تجسيد للسيادة الوطنية خاصة في قطاعات الفلاحة، الصناعات الرئيسية، قطاع الأبناك والتأمينات، قطاع الصادرات…وهذا الوضع كان يخدم مصلحة القطاع الخاص الناشئ على هامش رأسمالية الدولة، بل اعتبر الأمر ضروريا مادام القطاع الخاص غير قادر على النهوض بالاقتصاد ، فعملت الدولة وفق المخططات المركزية محددة الأهداف والمحددة في الزمان.

بعد ذلك سيدخل المغرب مرحلة التقويم الهيكلي، حيث نموذج الدولة التابعة للمؤسسات المالية الدولية وذلك لعدة اعتبارات ووقائع طبعت الحالة الإقتصادية الوطنية والدولية.

في كل الدول النامية وتلك السائرة في طريق النمو، عملت الدولة فيها على خلق أبطال وطنيين في مختلف القطاعات الاقتصادية، وبصفة خاصة القطاعات التي تحمل قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد الوطني، وهناك قصص نجاح كثيرة على المستوى الدولي يمكن أن تكون مرجعا في هذا الصدد، الشيء الوحيد الذي لم تلجأ إليه تلك الدول، هو أن تجعل من الإحتكار وسيلة لبناء تلك الأقطاب، بل سارعت إلى حماية المنافسة ودعم الرأسمال الوطني والإنتاج الوطني في مواجهة المنافسة غير العادلة، أيا كان مصدرها.

الاحتكار في المنطق الاقتصادي يقتل المنافسة، وعندما تغيب المنافسة، يصبح من العبث الحديث عن إقتصاد السوق والمناخ الليبرالي للأعمال، والأخطر من كل ذلك، هو عندما تكون المؤسسات الاقتصادية التي تسعى إلى الإحتكار، هي نفسها من يشكل أصحابها جزءا رئيسيا من السلطة التنفيذية، بحيث يصبح الحديث عن الإحتكار مرادف للحديث عن الفساد، هذا الأمر ومنذ سنوات هو موضوع نقاش محتشم في وسائل الإعلام المتحكم في جزء كبير منها عبر الإشهار الذي لا تضبطه قواعد واضحة، لكنه صاخب في الصالونات المغلقة، بما يؤشر عن حالة غضب جارف في أوساط المستثمرين، وجعلت منه حملة المقاطعة الجارية موضوعا للنقاش الشعبي في عمق المجتمع و هو ما ستكون له نتائج سياسية بالتأكيد فيما بعد…،ظاهرة الاحتكارات تظهر اليوم بشكل جدي في قطاع التأمينات، وقطاع المحروقات وبعض الصناعات الغذائية…وهناك قطاعات أخرى قد تكون مستهدفة مستقبلا ما يستوجب وضع نقطة إستفهام كبيرة، عن الهدف من بث بذور موت التنافسية في الاقتصاد الوطني، والثمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يتوجب على بلادنا دفعه نتيجة ذلك، و نتيجة الإفراط في إرضاء طموحات شخصية على حساب الوطن ككل.

شارك برأيك