ما وراء المقاطعة – اليوم 24

ما وراء المقاطعة

  • لماذا تفشل مشاريع التنمية؟

  • تحالفٌ أوهن من بيت العنكبوت

بغض النظر عن مآل حملة المقاطعة، وما إذا كانت ستحقق أهدافها، إلا أنها في العمق تشير إلى ارتفاع منسوب الوعي عند المواطن، كما أنها تعري، أيضا، أزمة الثقة في الدولة ومؤسساتها وفشلها في حماية المواطن من جشع الحيتان الكبيرة.

لقد أظهرت المقاطعة أنها سلاح فعال يمكن للمواطن الضعيف الدفاع به عن نفسه أمام تغول الأوليغارشية التي تحتكر السوق وتحدد الثمن، بناء على تفاهمات مسبقة. فحملة المقاطعة أظهرت إلى حدود الساعة أنه إذا لم تقم الدولة بوظائفها، فإن المواطن العادي يمكنه ابتكار أشكال للدفاع عن نفسه.

ولكن بقدر أهمية المقاطعة كسلوك احتجاجي، فإنه من المفيد، كذلك، توسيع نطاق النظر إلى الموضوع. قد تستمر المقاطعة لأسابيع أو شهور، وقد تنجح في تحقيق أهدافها، ولكن هذا لا يعني بالضرورة معالجة جذور المشكل (الاحتكار وغلاء الأسعار).

تكمن جذور المشكلة، أساسا، في إشكالية “الخلط بين السلطة والثروة” عبر استغلال نخب الحظوة لقربها من مصادر القرار للاستفادة الشخصية وتنمية ثرواتهم من دون الأخذ بعين الاعتبار المسؤولية الاجتماعية لنشاطهم التجاري ولا مصالح المواطنين.

إن “الخلط بين السلطة والثروة” يشكل أسلوبا في الحكم يوجد عليه النظام لفترة طويلة لترسيخ السلطوية. ويتجلى، أساسا، في طبقة من رجال الأعمال الذين يستفيدون من علاقاتهم مع الدولة وأجهزتها من أجل الحصول على امتيازات ضريبية أو الولوج إلى الريع وخلق شبكة من العلاقات والمصالح المعقدة، أحيانا تتمظهر في حزب سياسي معين، مثل حزب التجمع الوطني للأحرار، أو لوبي اقتصادي مثل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وكلاهما يمثل طبقة رجال الأعمال والنــخب الاقتصـــادية المقربة من النظام.

مبدئيا، ليس عيبا أن يكون لرجال الأعمال مؤسسة أو حزب يمثلهم، مادام ذلك يتم في إطار القانون، وماداموا ملتزمين بالمسؤولية الاجتماعية لنشاطهم التجاري. ففي ألمانيا مثلا، يدافع الحزب الليبرالي الديمقراطي، أساسا، عن طبقة رجال الأعمال، وهو حزب مشارك في الحكومة، ولكن في الوقت نفسه، تعتبر ألمانيا من أكثر الدول اجتهادا في الفصل بين السلطة والثروة.

لكن في الدول السلطوية، يشكل تحالف الرأسماليين مع النخب الحاكمة نمطا في الحكم يعتمد على منطق “عطيني- نعطيك”، هناك أمثلة كثيرة، بعضها تسرب للإعلام. ومن هنا عرت الحملة الأخيرة أحد الأعطاب الأساسية التي تعيق التنمية في المغرب – وباقي دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – وهي عجز مؤسسات الدولة عن حماية المواطن أمام جشع الشركات الكبيرة، كما أظهرت أن هاته الأخيرة لا تقتل التنافسية فقط، ولكنها أيضا أحد مصادر القلاقل السياسية لأنها تمس بشكل مباشر قوت المواطن اليومي. وأمام عدم قدرة الدولة في التدخل لضبط التنافس في السوق، يحس المواطن بالغبن ومع تراكم الإحساس بالحكرة، قد تكبر كرة الثلج.

في المغرب توجد ترسانة قوية من القوانين في مجال تنظيم السوق والتنافس، كما نمتلك، أيضا، مؤسسة دستورية اسمها مجلس المنافسة، ولكن هذا المجلس لازال مجمدا منذ سنة 2013 ولا يلعب أي دور في تنظيم السوق والتنافس الشريف. وقد نادى السيد عبدالعالي بنعمور منذ فترة بضرورة تعيين أعضاء المجلس وإعطاءه صلاحيات تقريرية، ولكن يبدو أن صناع القرار في الرباط لديهم تقدير آخر، ولايعرف لحد الساعة أسباب تجميد مجلس المنافسة. لو كان مجلس المنافسة مؤسسة تقريرية وذات صلاحيات في تنظيم السوق، ربما لم يكن لتقع حملة المقاطعة، وإن وقعت كان من الممكن إيجاد طرق لضبط السوق، ولكن مشكلة المغرب أنه يمتلك أفضل القوانين والمؤسسات من الناحية الشكلية، ولكنه كسول في التطبيق.

شارك برأيك