..كل شيء على النية – اليوم 24

..كل شيء على النية

  • حماقات السلوك البشري..

  • تلك القنطرة بسيدي سليمان..

نهاية الأسبوع الماضي، جلستُ بمقهى رفقة أصدقاء وزملاء نسترق بعض الهدوء من حياة صاخبة. حين جاء النادل لأخذ طلباتنا، سألنا إن كان بالإمكان تقديم قنينة ماء “سيدي علي” صغيرة الحجم مع طلباتنا لأن قنينات الماء التابعة لعلامات تجارية أخرى نفذت، “ما اضطرنا في المقهى لاقتناء “سيدي علي””.

فهمنا منه أن المقهى شرع في التعامل مع شركات أخرى تفاعلا مع حملة المقاطعة الجارية في البلد.

لكن الآن لم يجد المدد، فعاد للتعامل مع هذه العلامة. بدا متأسفا ومُحرجا بشدة.

خيّم صمت على المجمع. قلّبت بصري بين صقور “تويتر” المغربي على شاشة هاتفي المحمول وبين وجه النادل المقطّب على غير العادة. تذكرت درسا لم أكمله للأسف عن التسويق وتدبير سمعة العلامات التجارية.

يا لها من ضربة موجعة لهذه العلامة. مرّت أفكار وهواجس وابتسامات ماكرة بخاطري في برهة الصمت القصيرة تلك. لعل شيئا منها كان يدور بأذهان البقيّة. لم أزل غارقا في تأمل هذا الموقف الغريب تماما على جلساتنا في المقهى، – وإن لم نكن نرتاده كثيرا-، حتى فوجئت بجواب الأصدقاء الصارم والموحد “لا.. قدّم لنا ماء عاديا فقط”.

بدا النادل متفهما. حملة المقاطعة تتنفس في حقل دلالي يُجبرك على تبنيها، حقل دلالي “شعبي”. الشعب بمعناه الدارج المتناقض: فالشعب هو كتلة البشر التي تعاني من كل شرور النخبة المتنفذة المتحالفة ضده، وفي الوقت ذاته هو كتلة البشر التي تتحدى النخبة الملوثة وتهدد بإسقاطها. إنها الجماعة التي تتحمل قيود الظلم والمعاناة، وأيضا الجماعة القادرة على كسر هذه القيود والأغلال. والشعب يتقلّب في المعنيين. واليوم يميل الشعب في المغرب إلى معناه الثاني.

قلت للنادل الذي كان يواجه سيلا من المؤاخذات والعتب من طرف ندمائي “تعلم صديقي.. انزع العلامة التجارية من القنينة وآتني بها.. المهم ألا تظهر العلامة أمامي، لا أحد سيعرف أي ماء شربت!”، آخذ عليّ رفاقي الطلب الماكر، لكنه طلبُ لطّف الأجواء، وأوقف سيل الانتقادات والاعتراضات على عودة المقهى لهذه العلامة التجارية.

المقاطعة إذن قائمة بالفعل. ضررها قائم بالفعل. ما حجمه؟ مداه؟ أفقه؟ يصعب تقدير ذلك في ظل تكتم العلامات المعنية بالحملة عن واقع مؤشراتها المالية والاقتصادية. إلى حدود كتابة هذه السطور ومع مراعاة فاصل الزمن بين وقت الكتابة ووقت نشر هذا الرأي بالجريدة، لازالت الشركات تُكابر. تحاول استكشاف مسارات للمناورة.

كانت هناك فكرة تجريد الحملة من طابعها الشعبي واختزالها في دعوة حزبية طائفية، وبعدها محاولة ربط “الوطنية” باستهلاك منتج بعينه، ثم محاولة ربط ضرر المقاطعة بالشعب نفسه لا بأصحاب الرأسمال بالقول إن المقاطعة قد تقود إلى تسريح العمّال ما يعني أنها في الأخير لا تنال إلا من نفسها، وآخر وتر يتم العزف عليه الآن، هو أن هذه الحملة غير واضحة المطالب وغير منظمة ويقودها “قطيع”، وكل عمل غير منظم وضبابي يحمل في طيّه أسباب فنائه.

في واقع الأمر، الأسباب التي تطيل نَفَس المتضررين من حملة المقاطعة مختلفة تماما. ثلاثة أسباب رئيسة تجعل أضرار حملة المقاطعة تختفي بأسرع مما تظهر، وتُمحى قبل أن يتعقب أحدهم آثارها. أولا، غياب هيأة بصلاحيات قوية وقرارات نافذة تحاصر الممارسات المنافية لقواعد المنافسة الشريفة.

ثانيا، غلبة الاحتكار مع شبهة التواطؤ بين عدة فاعلين في قطاعات أساسية، ولازلنا ننتظر نتائج التحقيق في ارتفاع أسعار المحروقات بالمغرب.

ثالثا، تلبس الاقتصادي بالسياسي في البلاد ما يجعل السياسي عاجزا عن توقيع جزاءات أو غرامات على الاقتصادي.

بمعنى آخر، فنحن تقريبا، شعب المستهلكين، حين نقوم بشراء منتج أو خدمة، نعوّل على حسن نية القرش الرأسمالي الذي ندفعه له نقودنا، ولا شيء غير النية. والقروش الاقتصادية تعلم ذلك. ولا يبدو، إلى الآن على الأقل، أنها تفكر في تغيير نواياها الحسنة إزاءنا!

 

شارك برأيك