الحاجة إلى كارل ماركس – اليوم 24

الحاجة إلى كارل ماركس

  • أين اختفى اليسار؟

  • التفكير الإيجابي

في مثل هذا اليوم، وقبل قرنين من الزمن تحديدا، شهدت ألمانيا ولادة كارل ماركس. لم يسبق لأي مفكر لاديني أن مارس تأثيرا كبيرا على التاريخ الفعلي للبشر مثله، ولم يتعرض أحدٌ للسجال والنقد مثلما تعرّض لهما؛ خاصة من قِبل أناسٍ ما كانوا يبذلون الجهد اللازم لقراءة أعماله.

كذلك، أولئك الذين لم يكفوا عن تشويه صورته والسخرية منه، مصرّين على الاحتفاظ فقط، بالفظائع التي ارتُكِبتْ باسمه: أجيال مشوّهة من الطلبة، ملايين من الأماني المهدورة، عشرات من الثورات التي تم تحريفها، الكثير من الديكتاتوريات المرعبة والمذابح الجماعية.

لايزال إلى يومنا هذا، الكثير من الناس يستحضرونه بشكل عشوائي إما للقيام بقراءة مختصرة ومانوية للاقتصاد، أو لزعمهم أنه يبرّر الديكتاتورية، أو المعاداة للسامية؛ كما فعل ذلك الرئيس الحزين للسلطة الفلسطينية (زاعما، بشكل غير صحيح، أن معاداة السامية كانت تجد تبريرها، حسب لماركس، في نشاط المُقْرِضِين بالفائدة من الطوائف اليهودية في أوروبا، ناسيا أن اليهود لم يتم قبولهم في أوروبا المسيحية إلا ابتداء من السنة الألف بعد الميلاد، شريطة مزاولتهم لمهنة المُقترض بالفائدة، رغم أنفهم).

سيكون من السهل العودة إلى نصوصه، وهي موجودة بوفرة، علما أن قراءة بعضها أسهل من البعض الآخر. يمكننا أن نبدأ مثلا بنصه الرائع “بيان الحزب الشيوعي” الذي كتبه في أسبوع واحد، قبل 170 سنة. ثم هناك الكثير من النصوص الأخرى. ثم نتطرق بعد ذلك، إلى كتابه الضخم “رأس المال”.

سندرك آنذاك أن البورجوازية، حسب ماركس، هي الطبقة المولّدة بشكل رائع للتقدم والنور، وكذا العنصر الكبير للتطور والتحرر. لذلك تشكل الرأسمالية، بالنسبة إليه، تحررا من أنماط الإنتاج السابقة؛ وهي لاتزال في مراحلها الأولى، ولا جدوى من وضع حدّ لمسيرتها، التي ستمتد حتى تكتسح العالم؛ لأن شأنها يعني البشرية جمعاء، وكذا كل أنواع تبادل البضائع بين الناس. لذا، لا بد أن تنهار في أزمتها النهائية، لتفسح المجال لمجتمع الرخاء المطلق، لا لنظام توزيع الندرة.

وفي انتظار ذلك، كان ماركس يرى في المنظمة العالمية للعمال، الحركة السياسية الوحيدة لمواجهة الرأسمالية المتوغلة بشكل متزايد في العالم، ومحاولة التعجيل بأزمتها عبر منع أصحاب الأسهم من استرداد جوهر فائض القيمة الناتج عن عمل المأجورين.

ومن هنا، فإن الاشتراكية من منظوره، لا يمكن أن تتحقق في دولة واحدة؛ ولهذا السبب اعترض ماركس في السنوات الأخيرة من حياته على ما أُعلن عنه في روسيا،؛ لأنه لم يكن يرى فيها أفضل دولة لقيام الثورة التي لا يمكن أن تتحقق إلا عالميا.

ولكي نفهم ما يسميه ماركس بــ”ديكتاتورية البروليتاريا” علينا قراءة أفكاره حول كومونة باريس؛ لأننا سندرك من خلالها أن النظام الذي يسميه بالاشتراكية، إنما هو نظام يحمي الحريات، ولا يمت بأية صلة للنظام الشمولي المرعب الذي أفرزته الثورة السوفياتية.

بإمكاننا أيضا، أن نذكر عددا لا حصر له من الأمثلة الأخرى لأفكاره التنبؤية. حتى بالنسبة إلى المواضيع ذات الطبيعة الخاصة كالموسيقى (الأمر الذي دفعه إلى التنظير لها باعتباره أحد المنظرين الأوائل للاقتصاد اللامادي)، وغيرها من المواضيع المهمة في نظره، من قبيل: نهب الطبيعة، حركات الهجرة وأضرار الفردانية.

في الواقع، عندما نبذل جهدا كبيرا لفهم عمله، سندرك آنذاك راهننا الذي لا يصدق. صحيح أن ماركس أحد المفكرين الأوائل في العولمة، ومرشدا لمن يسعى إلى دراستها بجدية، ولمن يريد أن يعرف أن الاشتراكية لا تحل مكان الرأسمالية، وإنما تأتي بعدها. يعلّمنا ماركس أن كل الديكتاتوريات تقتات من تشويه فكرة معقدة.

وإذا كنا نريد حقا فهم العولمة وتحولاتها في المستقبل، علينا أن نقرأه مرات عدة، وننهل من الأمل الذي يحمله.

ومع ذلك، لا يمثل ماركس بمفرده المرشد الوحيد لفهم المستقبل، بل هناك، طبعا، أفكار أخرى ضرورية للوصول إلى هذا المبتغى؛ بدءا من تلك التي تحلّل بعمق مشاعر الناس. لذلك، لن نستطيع استشراف المستقبل بوضوح، إلا من خلال حوار يتجدد باستمرار بين ماركس وشكسبير والكثير ممن جاء بعدهما.

شارك برأيك