في الحاجــة إلى «عزيــزي».. – اليوم 24

في الحاجــة إلى «عزيــزي»..

  • برقية الملك إلى بنعبد الله

  • مثقفون ومثقفون

يبدو أن الحليب المقاطع ليس وحده الذي «راب» وفسد في هذا الوطن. فكل المجالات تقريبا أصبحت «قضيتها حامضة»، بفعل الاختلالات المستشرية داخلها وتطاول غير أهلها عليها.

وشخصيا، عندما أرى حجم وضراوة المُسوخ التي تحوم حولنا، لا يسعفني، للتعبير عنها، سوى استحضار بعض المأثورات الساخرة والحكيمة للشاعر الصحافي الراحل سعيد الصديقي (عزيزي).

يُحكى عن عزيزي أنه عندما كان رئيسا لتحرير جريدة «الطليعة»، لسان حال الاتحاد المغربي للشغل، سلمه المحجوب بن الصديق مقالا بالفرنسية طالبا منه ترجمته إلى العربية ونشره في الجريدة.

اطلع عزيزي على المقال فوجده كما لو كان مكتوبا بلغة غير الفرنسية، من فرط وفداحة أخطائه، فعدل عن نشره. بعد أيام اتصل به بن الصديق يسأله عن سبب التأخر في نشر المقال فأجابه عزيزي: «أ السي المحجوب، المقال خصني نترجمو للفرنسوية بعدا عاد نترجمو للعربية وننشرو».

وفي مرة أخرى، استدعته قيادة الاتحاد المغربي للشغل لمناقشة أمور تتعلق بالجريدة. وعندما طال الاجتماع وأمعن قياديو النقابة -وكان أغلبهم بسيطي التكوين- في الخوض في تفاصيل تافهة، قام عزيزي، على حين غرة، وصعد فوق طاولة الاجتماع، فقال له بن الصديق: «آش كدّير أ سعيد.. آش كدّير»، فأجابه عزيزي: «طلعت فوق الطابلة باش نهز النيفو ديال النقاش شوية أ السي المحجوب».

يعلم الله ما الذي كان سيقوله عزيزي لو طال به العمر حتى زمن الجرائد أو الجرائم الإلكترونية التي ازدهرت بعديمي «النيفو» والموهبة والاستقلالية.

وما يقال عن الصحافة، يسري على الأدب والموسيقى والمسرح والسينما.. مجالات ينطبق عليها قول الشاعر: (لقد هَزلَتْ حتى بَدَا مِنْ هُزَالِهَا… كِلاَهَا وحتَّى سَامَهَا كُلُّ مُفْلِسِ). لذلك، فكلما مر أمامي حديث عن واقع الأدب المغربي ووضع اتحاد كتاب المغرب، ورئيسه الذي لا يُقيِّم الكتاب بناءً على إسهاماتهم الفكرية، بل يقسمهم إلى قسمين: من هنأه بعد حصوله على الوسام الملكي ومن لم يهنئه.. أتذكر عزيزي الذي عندما طلب منه أحد أصدقائه أن يهنئ مخرجا مسرحيا لم يكن عزيزي يستلطفه أو يستسيغ مسرحياته، أجابه: «ما كاين مشكل نهنيه.. ولكن حتى هو خصو يهنينا من هاذ التخربيق ديالو».

وفي المسرح دائما، يحكى أن ممثلا ثقيل الدم أزعج عزيزي فتجاهله عدة مرات، لكن عندما تمادى صاحبنا في «حموضته»، صوّب عزيزي مدفعية سخريته باتجاهه وسأله: «قل لي.. ماذا تشتغل أنت؟» فأجاب: «ممثل»، ليلقمه عزيزي: «حاشا ولا يتْمَثّل باش تكون انت ممثل».

مثل القذيفة السريعة سيسددها إلى مغني رديء ومتطاوس سأله: «أعزيزي منين كنبدا نغني ما كنعرفش شنو ندير بيدي»، فحدجه عزيزي بنظرة ساخرة وبلسان لاذع قال له: «سد بيها فمك، وهنينا من صداعك».

أما سيل «الخبراء» وأصحاب مراكز الأبحاث الذين يطلون علينا يوميا من شاشات التلفزيون ليتحدثوا، بأوداج منتفخة، عن الصواريخ والمداويخ واليابان وإيران… فأجزم بأنه لو كان عزيزي بيننا اليوم لأخرسهم بطلقة واحدة من طلقاته الساخرة.

يحكى أن أحد هؤلاء التقى عزيزي يوما، فسأله عن عمله، فأجاب بكثير من التبجح: «Je suis consultant»، فرماه عزيزي بنظرة هازئة وقال: من المؤكد أنك «Con»، ولكن «Sultan» لا أعتقد.

لقد تسلح عزيزي، رحمه الله، بحس ساخر كان يفتت بواسطته اليقينيات البليدة والتصنع البلاغي الزائد والزائف في الإبداع والحياة، جعله يسخر من نفسه ومحيطه قبل غيره، فما أحوجنا إليه اليوم في عالم يعج بالمدعين والمتطاولين.

شارك برأيك