روح ماي 1968.. توسيع مجال الممكنات – اليوم 24

روح ماي 1968.. توسيع مجال الممكنات

  • «خطايا» بوعشرين!

  • «فصوليا» السلط…!

تخلد فرنسا خلال هذا الشهر الذكرى الخمسين لانتفاضة ماي 1968. جريدة “لوموند” العريقة أنجزت عددا خاصا بهذه الذكرى تحت عنوان: “68، الأيام التي هزت فرنسا”. “لوموند” اعتبرت بشكل استفهامي انتفاضة ماي 1968 بأنها شكلت هزة للوعي الجماعي للفرنسيين، وأنها تعبير عن شباب فاقد لليوتوبيا والأمل، وكذلك هي، أيضا، انتفاضة للمأجورين من موظفين وعمال ضد الاستغلال وضد مجتمع مجمد من قبل سلطة شاخت، وكانت، كذلك، طموحا لإرضاء المتعة في حياة يومية يغلب عليها اللون الرمادي، وشكلت مطلبا ديمقراطيا لكي يتمكن كل مواطن؛ ليس فقط، من التحدث، بل وبالأساس ضرورة الاستماع إليه. لقد كانت باختصار ثورة لا تريد الاستيلاء على السلطة… بل كما قال المفكر والفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر، كانت توسيعا لمجال الممكنات…

أحداث ماي 1968 لازالت تعتبر ملهمة عدد كبير من التمردات عبر العالم، بدأت الأحداث بإضرابات عمالية استمرت منذ نهاية 1967 وبداية 1968، تمت مواجهة الحركة العمالية بحزم وعنف من قبل أجهزة الدولة، وعندما كان أرباب العمل والأجهزة الحكومية يعتقدون أن الطبقة العمالية قد تم إخضاعها، دخل على الخط طلبة الجامعات الذين كانوا ينطلقون من منطلقات إيديولوجية وسياسية أممية. كان ديغول يقول: “لقد خلصت إلى استنتاج مفاده أن السياسة هي مسألة خطيرة جدا أن تترك للسياسيين”.

وكانت انتفاضة ماي 1968 تجسيدا على الأرض لقناعة ديغول تلك…، لم تنجح وصفة القمع مع الطلبة وأدى إغلاق جامعة باريس في الثالث من مارس من السنة ذاتها، إلى تأجيج الحركة الاحتجاجية التي تميزت بلجوء الطلبة إلى العنف في مواجهة قوات الأمن من خلال نصب المتاريس ليلة التاسع والعاشر من ماي، وتم احتلال الحي اللاتيني، حيث استعملت زجاجات المولتوف، وبذلك أصبحت الحركة الطلابية في طليعة الحركة الاحتجاجية وعمليا قائدتها.

فرضت أساليب الطلبة على قوات الأمن اللجوء إلى أقسى أشكال القمع، هذا القمع ولد تعاظم التضامن والتعاطف مع حركة الطلاب، حيث قررت النقابات العمالية الدخول في إضرابات، تحولت على إثرها إلى إضرابات لا محدودة وتنظيم مظاهرات ومسيرات يومية، وفقدت القيادات النقابية سلطتها على قواعدها، وبذلك دخلت فرنسا حالة من العصيان المدني تطورت ككرة ثلج، وبدأت سلطة الدولة تتهاوى، إذ أصبحت كل القرارات التي تخص تموين باريس مثلا، بيد القيادات العمالية، بل سيطرت حركة العمال والطلبة على مدينة “نانت” بكاملها.. جملة، كانت فرنسا تسير إلى نقطة اللاعودة، لولا وجود رجل بحكمة ودهاء وخبرة ديغول، الذي دعا إلى انتخابات برلمانية سابقة لأوانها، وبالتالي وقف الأحداث. هذه الانتخابات التي نظمت شهر يونيو 1968 عززت نتائجها موقع اليمين الجمهوري على حساب اليسار، وبصفة خاصة الحزب الشيوعي، الذي تحمل جزءا كبيرا من المسؤولية السياسية عن الأحداث.

ديغول كان رجل دولة كبير يملك كاريزما قوية واحتراما وسط الفرنسيين باختلاف توجهاتهم، بالنظر إلى دوره الوطني في تحرير فرنسا من النازية. استطاع بخبرته وحكمته أن يمتص تداعيات أقوى حركة اجتماعية وسياسية شهدتها فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه بعد سنة واحدة من انتفاضة ماي كان ديغول مجبرا على التنحي عن موقع رئاسة الجمهورية، وذلك عندما ربط الاستمرار في مهامه بتصويت الفرنسيين بالموافقة، على مجموعة من الإصلاحات كان قد اقترحها. خسر ديغول الاستفتاء، فبادر إلى تقديم استقالة من سطرين قال فيها: “أعلن توقفي عن ممارسة مهامي رئيسا للجمهورية. يصبح هذا القرار نافذا عند ظهر اليوم: 29 أبريل 1969”.

في حملة المقاطعة الجارية ببلادنا هناك بعض من روح ماي 1968، حركة تتوسع يوما بعد آخر وتشهد التحاقات جديدة، وكل يوم تتسع أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في المقابل هناك شركات وحكومة اختارت برعونة إهانة المواطنين والاستخفاف بهم، إلى حد التهديد والتلويح بالاعتقال وبوضع تشريعات تحد من دينامية المقاطعة، بشكل يمهد لتحول في رهان المقاطعين من إسقاط الأسعار، إلى إسقاط الحكومة التي ظهر جليا أنها تفتقد لرجل حكيم…

شارك برأيك