“كان” وأخواتها – اليوم 24

“كان” وأخواتها

  • ذو اللحية المشعثة

  • كأس شاي مع بنكيران

من مدينة “كان” أكتب هذا العمود. الجو ممطر والأفلام غزيرة، والعرب هجموا على مهرجانها السينمائي: لأول مرة يتنافس فيلمان عربيان على السعفة الذهبية، مصري ولبناني، وفيلمان آخران في “نظرة ما”، مغربي وسوري، ويحضر ما يسمى بـ”العالم العربي” في عدد من الأفلام الأخرى، من باب الكوارث والنكبات طبعا.

الإيطالي ستيفانو ساڤونا (Stefano Savona) يصور عائلة نكبتها الحرب في غزة، والفرنسية إيڤا هوسون (Eva Husson) تقدم فيلما يجري في العراق رفقة فيلق من المقاتلات الكرديات، تسميهن “بنات الشمس”، وجان لوك-غوادر (Jean-Luc Godard)، الأسطورة الحية للسينما الفرنسية، يتأمل مصير هذه الدول الملعونة في “كتاب الصورة”، وهو توليفة من المشاهد المأخوذة من أفلام، مع تعليقات بصوته أو بخطه، مما أعطى عملا أقرب إلى “البيرفورمانس”، مكانه الطبيعي في متحف “جورج بومبيدو” للفن الحديث، ولا بأس أَن يمر قبل ذلك من “كان”، كي يذكرنا أن السينما ليست فرجة فحسب، بل دعوة إلى التفكير وموقف من العالم ومتعة ذهنية…

أما المخرج الإيراني جعفر پاناهي، فيذكرنا أن بإمكانك أن تنتج تحفا سينمائية من دون إمكانيات ضخمة، بل وسط إكراهات قاهرة. السينما خيال وموهبة وحسن تقدير، قبل كل شيء. فيلمه الجديد “ثلاثة وجوه”، على منوال “تاكسي طهران”، يحرج السينمائيين الرديئين، الذين يعلقون فشلهم على مشجب قلة المال.

بوسائل إنتاج بسيطة، يتأمل إيران المعاصرة من خلال ممثلات من ثلاثة أجيال، عبر قصة مشوقة وبناء درامي محبوك. پاناهي لم يحضر إلى “كان” مع الأسف، لأنه ممنوع من مغادرة إيران، لكنه ليس ممنوعا من التصوير، لحسن الحظ.

الدنيا حظوظ. وفي السينما، ليس هناك أكثر حظا ممن يصور شريطه الأول ويجده معروضا في أكبر مهرجان سينمائي، مع أفلام الكبار. هذا ما حصل مع المخرج المصري أبو بكر شوقي، الذي حقق “ضربة معلم” بفيلمه الأول “يوم الدين”.

شيء لا يحصل إلا نادرا، لكن الصدفة لا دخل لها في الموضوع، وإلا كان “فركوس”، أيضا، حمل “فروجه” وجاء إلى “الكروازيت”. شوقي نجح في إخراج فيلم مؤثر حول تقبل الاختلاف، من خلال قصة شخص مصاب بالجذام يفتش عن أهله.

جمع المهمشين والمنبوذين وأصحاب العاهات وأعطاهم صوتا وصورة. المخرج المصري الشاب أقدم على مغامرة محفوفة بالمخاطر: الاعتماد على ممثلين هواة. البطل “بشاي” مصاب حقيقة بالجذام، لكنه يملك كاريزما هادئة، تشع مع توالي الأحداث. في البداية تُكنّ للمخرج كثيرا من الحنق، لأنه يريد الشهرة على حساب مريض بالجذام، يصعب عليك أن تدقق النظر في البطل، مع توالي الأحداث تتعاطف مع “بشاي”، وفي النهاية تحس أنه صار صديقا حقيقيا، تعجب بشجاعته ورزانته وعزة نفسه.

الفيلم موفق، لكن رسالته انهزامية: بدل أن يتعايش أصحاب العاهات مع اختلافهم، ينتظرون “يوم الدين”، حيث “كل البشر سواسية”، كما يقول أحد الذين التقاهم بشاي، في رحلة بحثه عن عائلته. وكما يفعل كل المبتدئين، أراد المخرج أن يعالج كل المواضيع في فيلم واحد، ولأن الشريط من نوع “الرود موفي” (Road Movie)، لم يترك وسيلة نقل لم يستعملها: عربة يجرها حمار، القطار، الباخرة، الشاحنة، المشي على الأقدام، التريبورتور…

والسينما المغربية؟ أين السينما المغربية؟ هناك فيلم واحد يشارك في مسابقة “نظرة ما” تحت عنوان: “صوفيا” لمريم بنمبارك، لم يعرض لحد كتابة هذه السطور، وفيلم آخر تسلل إلى المسابقة الرسمية في غفلة عن الجميع، هو “ألف شهر”، تحفة فوزي بنسعيدي، التي حضرت مقاطع منها في فيلم جان- لوك غودار… في انتظار أن يأتي الفرج ويفوز “فركوس” أو أحد زملائه بـ”السعفة الذهبية”، في يوم من الأيام أو قرن من القرون!

 

شارك برأيك