هل فقدت القيم معناها في السياسة؟ – اليوم 24

هل فقدت القيم معناها في السياسة؟

  • من أجل تعليم موحد..

  • في رثاء الوالد رحمه الله

نحتاج إلى وضـــع بعض النقـــاط على الحروف بالنسبة إلى الممارســـــة السياســـية لحزب اختار المرجعية الإسلامية في عمله السيـــاسي، وهي مرجعية أخـــلاقية بالدرجة الأولى.

عندما كان حزب العدالة والتنمية في المعارضة نجح في ترسيخ منهج قائم على قيمة الإنصاف والعدل في الممارسة السياسية، حينها اعتبر بأن معارضته للحكومة لن تكون معارضة عدمية، وإنما سيقول للحكومة إذا أحسنتْ أحسنتِ، وإذا أساءت أسأتِ، وهذا معناه أن هناك منهجا أصيلا في السياسة يعبر عن اختلافه مع نوع من المعارضة، كان يعبر عن مواقفه السياسية انطلاقا من تموقعه السياسي، وليس بناء على نظرة موضوعية للأداء الحكومي..

كما أن أدبياته اللاحقة، بعد تحمله مسؤولية إدارة الشأن العام، شددت على أن مساندة الحزب للحكومة ستكون مساندة ناصحة مبنية على التنبيه للاختلالات والتجاوزات..

لكن مع الممارسة، بدأ يظهر بأن هناك نزعةً ميالة إلى مساندة كل ما يأتي من طرف الحكومة بغض النظر عن مضمونه، ولقد مر العمل البرلماني للحزب بتمارين صعبة تعكس هذا التوتر بين توجه يبحث عن الدعم التلقائي لجميع المبادرات الحكومية، وبين توجه يحاول القيام بدوره على أساس الموضوعية والإنصاف، ويعمل على عرض المبادرات التشريعية للحكومة على ميزان العدل والإنصاف قبل اتخاذ الموقف المناسب منها، وهو ما جعله عرضة للكثير من الانتقادات من طرف بعض الوزراء الذين باتوا يَرَوْن في الفريق البرلماني آلة للتصويت على المبادرات الحكومية دون نقد أو تمحيص، وهو ما يتعارض مع فلسفة حزب العدالة والتنمية ومنهجه في الإصلاح الذين انطلق منه في اليوم الأول.

فهل يمكن للقيم أن تفقد معناها الأصلي، فقط بمجرد تغيير الموقع السياسي؟ هل تفقد قيم الخير والشر، والعدل والظلم، والقبح والجمال، معناها، بمجرد تغيير الموقع السياسي من حزب معارض إلى حزب يشارك في الحكومة؟!

يمكن للنزعة التبريرية أن تقوم بتسويغ جميع القرارات والمواقف حتى ولو ثبت خطؤها، لكنها لا يمكن أن تصمد كثيرا أمام حقائق الواقع الذي لا يرتفع.

بعد ما بُويع أبو بكر الصديق بالخلافة كانت خطبته الأولى عبارة عن تعاقد قيمي وأخلاقي بينه وبين المواطنين، قبل أن تكون تعاقدا سياسيا..

“أيها الناس فإني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني”، وأضاف في خطبته الشهيرة “الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيفُ فيكم قويٌّ عندي حتى أرجعَ إليه حقَّه إن شاء للّه، والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذَ الحقَّ منه إن شاء للّه”.

هذه المعاني هي تركيز لمجموعة من القيم والمبادئ في الممارسة السياسية، والتأسيس لمرجعية أخلاقية عليا، على أساسها يقاس الفعل السياسي، وبواسطتها يعرف الصواب من الخطأ. لكن، هل تكفي المعرفة بالخطأ والصواب ليختار السياسي موقفه الأخلاقي؟ يجيب أرسطو في كتابه “الأخلاق” بأن الأخلاق تتطلب منا شيئا أكثر من مجرد العلم بما هو صواب وبما هو خطأ، كل المعارف في هذا العالم وحدها لا تكفي، ولن يكون لها تأثير يذكر، إذا لم تكن لدينا حرية الإرادة والقدرة على الاختيار.

الأخلاق تتطلب معرفة وإرادة، لا معرفة فقط، الإنسان مخير، لا مسير، في نظر أرسطو، ولذلك، فإن التمسك بالأخلاق أو عدم الأخلاق، يرجع إلى الإنسان نفسه، فإذا مارس إنسان الظلم، سوف يكون إنسانا ظالما باختياره.

السؤال: هل مازال البعض يمتلك إرادة الاختيار وحرية الإرادة، أم تمكـــنت منه أوهـــام الخـــوف والارتبـــاك وفقـــدان سلطان الإرادة؟

لله وحده يعلم، لكن الزمنَ كشّاف.

شارك برأيك

الإدريسي العلمي

إثارتك لهذا السؤال الخطير يا أستاذي الكريم هو في حد داته فضح لما آلت اليه السياسة داخل حزب العدالة والتنمية وداخل الوطن ككل. إن ابتعاد وزرائكم عن المرجعية الأخلاقية أصبح أمرا واقعا. ولا يجوز تبريره بما يدعيه البعض من أن السياسة مبنية على المصالح لا على الأخلاق. السياسة مصالح وأخلاق. لكن حين تطغى المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة العليا للبلد فاعلم أن الأخلاق اندثرت وضاعت. وهذا أكبر خطر يهدد مستقبل حزبكم.

إضافة رد