عاش الرأسمال! – اليوم 24

عاش الرأسمال!

  • من ضيع اللبن؟

  • لِمَ تصلح النقابات؟

كانت مريم بنصالح تقول «إن الصداقات في عالم السياسة مثل مدفأة، لا يجب الابتعاد عنها كثيرا، لكي لا يشعر المرء بالبرد، لكنه، كذلك، لا يجب أن يقترب منها أكثر مما ينبغي حتى لا يحترق».

هذه نصيحة ذهبية، لكن عيبها الرئيس صدورها عن الشخص غير المناسب. بنصالح، دون شك، لا تحب السياسيين، وتكرههم بمقدار، لكنها تصبح سيدة طيعة عندما تشعر بالتهديد السياسي. لذلك، ليس غريبا أن تدعم شخصا «مُسيسا» بمقدار، مثل صلاح الدين مزوار، لكي يخلفها على رأس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وإن كان ذلك معناه أن تدير ظهرها لنائبها المقاولاتي الخالص، حكيم المراكشي.

الحكاية بدأت، كما جرت العادة في مثل هذه المناسبات، حول مائدة طعام صغيرة جمعت علية القوم، الذين يملكون القدرة على تحديد استراتيجيات رجال الأعمال، لكنها لم تحسم مصير أحد. ذهب عزيز أخنوش، الذي لم يكن يخشى لومة لائم بشأن الجمع بين المال والسياسة والسلطة، ومنح نفسه «صلاحية» ترشيح مسؤول سياسي دون أي صك مقاولاتي واضح، وعضده بحلف ذوي القربى: بنصالح نفسها ومولاي حفيظ العلمي.

دعامة مثل هذه لا يمكن أن تتهاوى في مواجهة أي كان. لكنها، رغم ذلك، ستتداعى. المرأة التي شعرت بالدفء في الاقتراب المدروس من ذوي القرار السياسي، ستحترق بنار المدفأة نفسها عندما قررت أن بإمكانها تغيير الحطب كما تشاء، وليست وحدها في ذلك: أخنوش والعلمي أيضا. العزلة التي يعيشونها هذه الأيام لا تمنح رأسمالهم المادي أي معنى الآن في المجتمع. وكما قيل، فإن هندسة حملة المقاطعة نفسها لم تكن عملا اعتباطيا.

إن هؤلاء الثلاثة –ومعهم الشركة المركزية للحليب- سيجربون بشكل قاس ما يعنيه الاقتراب غير المدروس من مدفأة السياسة، لكنهم لن يخسروا الكثير من أموالهم. هذه «تجربة» جرى تحديد خسائرها بدقة. على الرسائل أن تصل دون أن تسيل الدماء في الشوارع كما يقال.

قبل وقت وجيز، همست بنصالح في أذن المراكشي، الذي ينافس مزوار، قائلة: «إني وإن كنت أدعم مزوار، فإني لن أكون ضدك». فهم رجال الأعمال الكبار معاني الرسائل التي لا يفهمها العامة عادة.

إن الرأسمال الذي قُلمت أظافره بعناية منذ زمن طويل، لن يسمح له بالتوحش، لاسيما في مواجهة من تركوه يتغول. إن أخنوش يستأسد في تجارة المحروقات، كما تتربع بنصالح على عرش المياه المعبأة. أما حفيظ العلمي، فإن مشاريعه لا تتوقف عن نموها المطرد، حتى إنه قرر بيعها بالطريقة التي يشاء ولمن يشاء. لقد تصرفوا وكأن البلاد غرب متوحش.

تخبرنا حكايات قطاع الطرق في الغرب المتوحش (Wild West)  –حتى أولئك الذين يبدون أشخاصا محترمين، أو يلبسون ياقات بيضاء أنيقة- أن لا أحد يستطيع  مواجهتهم سوى مارشال Marshall)) يمتلك قوة نار مناسبة. لا ينفع السياسيون العاديون في شيء.

والسياسيون المغاربة فهموا الدرس، لذلك، فإنهم يبتعدون عن طريق كبار رجال الأعمال، مثل يفعل المواطنون المذعورون عادة أمام شخص مسلح. ولكم في تقرير اللجنة الاستطلاعية حول المحروقات مثال عن ذلك.

لقد صُمم تقرير المحروقات لكي يقول كل شيء دون أن يشير إلى أحد بأي شيء، وهذه عادة خلاصات السياسيين الذين يحبون المشي فوق البيض. وبالطبع، عندما يصبح الرأسمال مُحصنا، يحوله السياسيون الخائفون إلى محراب مقدس.

السياسيون الشجعان وحدهم يستطيعون تقدير كلفة الخسائر، لكنهم مكتوفو الأيدي، فالمشهد غلبت عليه روح التفاهة على كل حال. عندما كان النواب يناقشون تقرير المحروقات، ويحتاطون في استعمال الكلمات، وقف نائب من الـRNI، مبتسما كعادته، وقال: «لم يكن هناك داع لتغيير «أفريقيا غاز» بـ«طوطال» في صفقة تزويد البرلمانيين بالوقود».

بمقدور الرأسمال الذي يلج السياسة أن يفرح، فقد وجد لنفسه مدافعين على قدر كبير من الصلف، يشبهون ذلك القيادي التجمعي الذي بالكاد نفض عن عباءته السياسية غبار «الحركة الشعبية»، عندما صرخ مولولا: «عاش الملك.. عاش أخنوش».

شارك برأيك