شهر المقاطعة.. – اليوم 24

شهر المقاطعة..

  • حماقات السلوك البشري..

  • تلك القنطرة بسيدي سليمان..

تنقلبُ تلك العبارات التي نتبادلها أحيانا من قبيل “على الإنسان أن لا ينسى حظه من الدنيا”، أو “إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده”، أو “قل من حرم زينة الله..”، (تنقلب) بشكل درامي إلى أضداد السياقات والمعاني التي أُثبتت فيها.

تصير أقرب إلى سترة واقية من الحقيقة. حقيقة افتتاننا الجماعي بالمظاهر والماديّات. قد تجد شخصا يعيش حالة “عجز في الميزانية” شبه دائم بسبب منافسة محمومة مع منظومة اجتماعية تطالبه بتلبية شروط معينة لنيل الاعتراف الاجتماعي.

أو قد يكون في حال مادي مريح، لكنه يُعرّض نفسه  باستمرار للاستنزاف بسبب التوق إلى نيل اعتراف اجتماعي أرفع، بما يسبله هذا الاعتراف الأرفع على الفرد من صفات النجاح والتطور والتقدم.

قد لا يكون تقدما في الاتجاه الصحيح. قد لا يكون تقدما من الأساس. قد يكون بابا جديدا من أبواب الاستنزاف أو التيه أو الشتات، لكن المنافسات المحمومة تعمي النظر.

شهر في العام الهجري يحاول قلب كل هذه الحسابات، بشكل رمزي يحاول تحرير الإنسان من حالة الاستغراق النفسي في منظومات اجتماعية ليست بالضرورة على صواب في اختياراتها، ولذلك يبدأ تحريره من طوق أقوى غرائز البقاء. غرائز جرى التوسع فيها بشكل رهيب.

فالجنس صار صناعة ملوثة وغواية احترافية عابرة للمنظومات الاجتماعية والأعراف، والأكل صار إنتاجا خارجيا على البيوت مرتبطا بعلامات تجارية ومطاعم شهيرة وتصنيفات طبقية، والشرب لم يعد لريّ عطش واحد، عطش الماء، وإنما لريّ أصناف وأشكال من العطش المصنع بأذواق ونكه وحيل مختلفة.

رمضان شهرُ امتناع في وجه إدمان هذا التوسع. شهر مقاطعة لهذه الغرائز التي باتت مستعرة بفعل الدفق الإشهاري العارم. ثلاثون يوما من ممانعة الذات. ممانعة المادة. شهر المعارك القصوى. المعارك التي يخوضها المرء ضد نفسه. ضد ترسبات عام من الارتباط الوثيق والمرضي أحيانا مع تجليّات المادة.

مع مختلف صور حب الامتلاك والسيطرة والهيمنة والحيازة.

رمضان دعوة إلى التخفف من ثقل الماديّات. إنه الشهر الذي يفترض ألا تصمد أمامه تلك الشماعات الدينية التي نستنجد بها لتبرير سباقنا المحموم لتحسين المظهر على حساب الجوهر.

البعض منا يعلم جيدا مشقة السفر إلى الوجهة الفلانية دون غيرها، أو شراء السيارة الفلانية دون غيرها، أو الشقة الفلانية وبأسرع وقت وباقتطاع جشع ووحشي من دخله، لكنه يشعر أنه “مُرغم”. ليس بالضرورة لأنه لا يملك البديل.

ربما لأن البديل لا يتناسب مع “المركز الاجتماعي” الذي صار يشغله، والأسرة التي صاهرها وما يليق بإنسان أنيق ومهذب في “مستواه” من وصف. طبعا لو تأملنا عبارات المركز الاجتماعي والمستوى وفكرة الإرغام الاجتماعي سنؤول، ربما، إلى الاعتراف ولو جزئيا بهيمنة سلطة الماديّات على تصوراتنا.

إنها سلطة مدمرة. سلطة توصد الباب أمام كل بديل قد يحرر الإنسان من طوق معايير معطوبة.

بشكل متناقض، الأفكار “الثورية” التي يحملها رمضان إلينا هي عكس الأفكار “المدجنة” التي نحملها نحن عن رمضان. وجدتُ وأنا أتحدث قبل يومين مع زميل عزيز أثرا لفكرة مدجنة برأسي.

أخبرته بأني حائر هذه الأيام ومنشغل لأني لا أعرف كيف سأدبر أمر الأكل في رمضان، طلبتُ منه، هُو المنتمي إلى قبيلة المتزوّجين، أن يمدني بلائحة المواد التي يجب عليّ أن أشتريها، وأسهبت في الحديث عن المأكول بشكل مخيف. قال لي “يا عزيزي، هوّن عليك، هل سينقطع الأكل في رمضان؟!”.

تنبهت إلى أني أنا من يُفترض أن ينقطع عن الأكل في رمضان وليس العكس، فإذا بي أفكر فيه من الآن! ما هذا التفكير المعطوب! رمضان كريم قارئي العزيز ولنتذكر وصية المسيح عليه السلام: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”..

شارك برأيك