كلفة تهشيم الكل – اليوم 24

كلفة تهشيم الكل

  • حماقات السلوك البشري..

  • تلك القنطرة بسيدي سليمان..

نذكر الرأسمال ومعه الحكومة أن معاكسة المستهلك أمر جنوني وأخرق، وأن المغربي مستهلك وتنطبق عليه شرائع التجارة التي جعلت المستهلك ملكا وسيدا وزعيما مفدى.

لكن حملة المقاطعة قابلت هذه “الذاكرة المسترجعة” بـ”لا” قاسية. المقاطعة مستمرة حتى تحقق أهدافها. وهي أهداف، من خلال متابعتي للحركية الخاصة بالحملة، قد أجملها في ثلاثة: أولا، فصل العمل السياسي عن التجارة والبيع، ومن ثم سد مصادر الشك والشبهة، وثانيا، تخليق هامش الربح بخفضه إلى حدود منطقية، قياسا إلى جودة المنتج المقدم للمغاربة وقدرتهم الشرائية، وثالثا، الدعوة إلى فتح الباب أمام حرية الاختيار، والذي لا يتحقق إلا بتخفيض الضريبة المطبقة على بعض المنتجات المشابهة المستوردة، أو تبسيط الإجراءات والمساطر التي تسمح بالولوج إلى سوق معين والاستثمار فيه (Barriers to Entry).

هذه أهداف نبيلة كان يُفترض أن يقطع فيها رجال السياسة وجمعيات حماية المستهلك والنقابات والتجمعات المهنية والهيآت المعنية بالموضوع أشواطا مهمة.

لكن طبيعة النسيج السياسي- النقابي- الاقتصادي المغربي المؤثر في صناعة القرار سقيم وعليل جدا. أضعف من تحقيق أي منجز يذكر في هدف من أهداف المقاطعة.

لأن أسباب المرض قائمة في مفاصله، في شبكة معقدة من التواطؤ واقتسام الريع والمنافع والامتيازات.

النقابي يداهن الرأسمالي والسياسي، والسياسي يعبئ النقابي في ملف سياسي، والرأسمالي يستنجد بالسياسي للحصول على مكرمة أو مزية، والسياسي يسخر الرأسمالي لدعم حملة أو تجنيد قبيلة أو اجتذاب أصوات فقيرة. الكل مهشم. والبلاد تدفع كلفة باهظة نتيجة هذا التفسخ الجماعي للقيم وعمليات التواطؤ المشبوه التي باتت تعوض عمليات المنافسة الشريفة.

حملة من خارج هذا النسيج تحاول اليوم تحقيق ما يعجز عنه، وهو أمر صعب وأكثر تعقيدا. كلفته أعلى من كلفة تحقيق هذه الأهداف من طرف المؤسسات النقابية والسياسية والاقتصادية القائمة.

لكن، بما أن هذه المؤسسات تحولت إلى رجع صدى “للفوق”، فيصعب عليها الدفاع في الوقت ذاته عن أصوات “التحت”.

نحن أمام حالة صعبة ومعقدة لأن المفاوضة الجماعية تتخذ في ظلها شكلا عسيرا وتعتمد على التقاط الإشارات ومتابعة الاتجاهات واستباق الدعوات إلى مقاطعات جديدة.

الكتلة التي تقاطع لا تثق في النظام حتى تنتظم في تنسيقية أو مظاهرة علنية في الشارع العام، ما يجعل النظام أمام حملة عائمة يصعب عليه  “التعامل معها بما يجب”! فتصبح الخيارات المتبقية أعقد وأسوأ.

تحديد المسؤولية عن هذا الحال المتأزم يقتضي طرح سؤال بصيغتين: “من هشّم الجميع”؟ و”ماذا هشّم الجميع”؟، الاكتفاءُ بـ”من؟” يُعفي المجتمع، والاكتفاءُ بـ”ماذا؟” يُعفي السلطة.

في باب “من هشّم الجميع؟”، قد نجد جوابا معروفا: “السلطة، لأنها تحمي نفسها ولا تقبل بالمنافسين”، والسلطة فعلا، تتحمل قسطا مهما في تهشيم وجوه ومشاريع سياسية واقتصادية كانت تحمل أفقا مختلفا للأفق القائم.

ألم يكن ممكنا حرق ورقة عبدالإله بنكيران في معركة أرقى؟ ألم يكن ممكنا الاستعانة بهذا الفاعل السياسي الاستثنائي في تقليم أظافر اللوبيات التي تحترف التخويف للتغطية على الفساد؟ بنكيران كان سلاحا فتاكا يمكن الاتكاء عليه، وعلى شعبيته ووفائه لثوابت الأمة في الضرب بيد من حديد على الحيتان الكبيرة.

وفي باب “ماذا هشم الجميع؟”، يتسع أفق الإدراك ومداخل الإجابة. وقد يكون الجواب بأن السبب في الانكسار الجماعي هو التطبيع مع آليات إنتاج الداء المغربي المنتشر وسط النخبة.

إن القاعدة، إلى حد ما، تزكي آليات التسلق في سلم الحظوة والثراء والوجاهة عبر آليات المعارف و”باك صاحبي” وبتدخل من السيد الفلاني في الملف الفلاني، وفقط حين ترى النتائج الكارثية لهذا المسار- الذي يبدأ صغيرا- على واقع البلد، تعود لتندد بانعكاساته السلبية عليها.

بعض الشبيبات الحزبية تقبل الانتقال إلى مراكز قيادية بآليات غير ديمقراطية وتطالب بالديمقراطية، وبعض الزعامات النقابية تكنس الساحة للاستفراد بالزعامة وتطالب المقاولات وأرباب العمل بلجان ومكاتب للتدبير المشترك، وبعض المناضلات يرِدن تحويل نظام الحصص (الكوطا) إلى ريع مسيج، ولا يجدن مانعا في حصر مفهوم النضال في الحرية الجنسية واللباس القصير وإسقاط الإعدام، وكافة القضايا التي تريد جمعيات علمية وحقوقية أجنبية جعلها أولويةً عند المغاربة بالإرغام.

كلفة تهشيم أو، ربما، تهشُّم الكل باهظة جدا، ولا بد من مبادرة صادقة تجمع شظايا الجميع، على من يتحمل مسؤولية “من؟”، أن يمد يده لمن يتحمل مسؤولية “ماذا؟”، والعكس صحيح.

شارك برأيك

مواطن*

جميل و مقنع جدا ! لكن “الدعاء” لا يكفي ! و يبقى السؤال ملحا : ما العمل ؟

إضافة رد