رأس المال الجبان…! – اليوم 24

رأس المال الجبان…!

  • «خطايا» بوعشرين!

  • «فصوليا» السلط…!

في السياسة كما في الاقتصاد كثير من الرتابة وقليل من الجدية، هكذا يمكن باختصار توصيف المشهد السياسي والاقتصادي ببلادنا.

آخر صور الرتابة التي تعرفها البلاد دون انقطاع تقريبا؛ مشهد “انتخاب” السيد صلاح الدين مزوار، رئيسا للاتحاد العام لمقاولات المغرب، بنسبة كبيرة تعادل النسب التي تسجل في جمهوريات الموز، حيث تحصل مزوار على 77% من مجموع الأصوات المعبر عنها.

لنكن موضوعيين، فمزوار لا لوم عليه؛ بل حتى “انتخابه” لا يمثل حدثا، لأن الحدث الحقيقي كان لحظة إعلان ترشيحه في منظمة مهنية انقطع عنها لسنوات ويعرف الجميع أنها تعيش هشاشة مزمنة، وأنها عوض أن تكون قاطرة للدفاع عن قيم السوق والليبرالية السياسية كما تفترض سرديات الاقتصاد السياسي، نجدها على العكس من ذلك؛ تمثل أشد التنظيمات المقاومة لهذه القيم، بحيث تصبح بمثابة “تيرموميتر” صالح لقياس الإرادة السياسية للإصلاح والمسافة التي يجب أن تقطعها البلاد للوصول إلى بر الأمان.

لا أحد كان يتوقع حدا ثوريا في نقابة الباطرونا، فقد ودعنا هذه “الأوهام” منذ زمان، لكن أشد المتفائلين لم يكن يعتقد أن منظمة تضم أزيد من 30 ألف مقاولة، ستنتج ذات السلوك الذي ينتجه أشد الناس فقرا وضعفا فكريا، عندما يصوتوا بعيدا عن مصالحهم الحقيقية المفترضة نظريا على الأقل، أو استجابة لأوامر أو إشارات، صحيح ألا أحد انتظر أن تنتفض الباطرونا دفاعا عن حريتها، لكن لا أحد توقع أن تكون خانعة بذلك الشكل، وفي سياق حملة مقاطعة شعبية واسعة لمنتجات استهلاكية مختلفة تؤشر على أن الحياة لازالت تدب في شعب لم يقل كلمته بعد، مقاطعة استطاعت أن تركع أكبر الشركات، وأن تكشف أن سلطة المستهلك/المواطن تتجاوز كل التوقعات وقادرة على كسر الريع والاحتكارات.

 

“انتخاب” مزوار على رأس الباطرونا، هو في أحد أوجهه الأشد وضوحا، يعبر عن نفاذ أو كساد في “بروفيلات” رجال الدولة، وهو ما يجعل الوجوه التي يقذف بها إلى مواقع المسؤولية المختلفة، تصيب الناس بالصدمة والدهشة والشك.

“انتخاب” مزوار، أيضا، يعبر عن طبيعة طيف واسع من المقاولة المغربية، والتي في جزء كبير منها إما تعيش على الريع والاحتكارات بصفة مباشرة، أو أنها لا تستطيع أن تعيش بعيدا عن ثدي الدولة في اقتصاد تعتبر الأخيرة فيه أول مستثمر، فالنسيج المقاولاتي خارج صفقات الدولة يكاد يساوي لا شيء، ومن لم يأتي بالصفقات؛ يأتي بعصا المراجعة الضريبية والتشريعات والقوانين، وهي مقاولات في غالبيتها تدور في فلك الخدمات والعقار والقطاع المالي، وهو ما يجعل بلادنا متخلفة عن المستوى الدولي، فيما يتعلق بمساهمة مقاولاتها في السلسلة العالمية لإنتاج القيمة، والذي يعني نسبة ما يتم تصنيعه محليا من السلع المصدرة للخارج في إطار التجارة الدولية، والتي بالمناسبة تسيطر فيها 400 شركة على 50 في المائة من مجموع الصادرات، وذلك من أصل 600 ألف مقاولة مسجلة ببلادنا، منها 6 آلاف تمارس التصدير، أي 1 في المائة فقط، من النسيج المقاولاتي المغربي.

بالعودة إلى مساهمة المقاولات المغربية في السلسلة العالمية لإنتاج القيمة، نجد أن نسبة تلك المساهمة في الصادرات المغربية تبلغ 74.4 في المائة، وهي نسبة تبدو مرتفعة للوهلة الأولى، لكن عند معرفة توزيع تلك المساهمة على مختلف القطاعات التصديرية، فإننا نعيد اكتشاف طبيعة المقاولات المغربية وضعفها المزمن، حيث نجد مثلا أن النسبة في قطاع الفلاحة والصيد البحري تبلغ 92 في المائة، وهو كما يعلم الجميع قطاع في جزء واسع منه ريعي بامتياز..، هذا النسيج المقاولاتي الذي لا يعرف لا التجارة ولا الصناعة ولا الخدمات خارج الحدود، أي لا يقدر على المنافسة الدولية، لا يمكن توقع سلوك آخر منه غير “انتخاب” مزوار، لأن رأس المال في الأصل جبان…!

شارك برأيك