رسائل المقاطعة – اليوم 24

رسائل المقاطعة

  • تسمين البطالة…!

  • خالتي فرنسا…

“المقاطعة” فعل احتجاجي استثنائي في تاريخ بلادنا يدشن لمرحلة جديدة؛ سواء فيما يتعلق بتعاطي المواطنين مع الشأن العام، أو بتعاطي الدولة مع المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويمكن اعتبارها رد فعل متأخر نوعا ما، عن السياسات والقرارات التي اتخذتها الحكومة السابقة، خاصة “الإصلاح” المتسرع والمرتجل لمنظومة المقاصة، بحيث يمكن القول إن “المقاطعة” تمثل احتجاجا على اختناق كل المسارات…؛ المسار السياسي من خلال “البلوكاج” الشهير وما نتج عنه من حكومة مشوهة تعطي يوميا الانطباع على أنها مجرد حكومة تصريف أعمال، مع محاولة إحياء الحزب الأغلبي في صيغة جديدة؛ المسار الاقتصادي والاجتماعي الذي عبر الملك بخصوصه عن إفلاس النموذج التنموي الذي يؤطره، والذي لم يفعل في الواقع سوى تعميق الفوارق الاجتماعية والطبقية والمجالية؛ مع صرف موارد عمومية ضخمة بدون عائد اجتماعي واقتصادي يوازيها مقارنة مع دول أخرى، وقد فصلت المؤسسات المالية الدولية ذلك، كما أن فعل “المقاطعة” تعبير عن إفلاس الاختيار الذي كان يراهن على مقايضة الإصلاح السياسي الحقيقي، بفتات المكاسب الاقتصادية الجزئية والفئوية، وخاصة بالنسبة إلى الطبقة المتوسطة، التي وجدت نفسها اليوم، بدون تأثير سياسي؛ وتتدحرج بسرعة إلى القعر بمستوى عيش أقل مما كانت عليه، وما كانت توعد بأفضل منه، ويبقى فعل مقاطعة المغاربة لعدد من المنتجات الاستهلاكية وتوظيف مواقع التواصل الاجتماعي لتحقيق هذه الغاية، صالحا للتأريخ للفعل الاحتجاجي ببلادنا، بما قبل المقاطعة وما بعد المقاطعة، ورغم أنه من المبكر تقديم قراءة عميقة الآن لهذا الفعل الحضاري الاحتجاجي السلمي المستمر والممتد، لكن مع ذلك؛ وبالنظر إلى النجاح الكبير الذي حققته، فإننا يمكن أن نقول إنها رد فعل جماعي يتضمن عدة رسائل منها:

الرسالة الأولى: تتعلق بالسخط الكبير والمباشر على ارتفاع الأسعار ومستوى المعيشة بصفة عامة، مع ما يواكب ذلك عادة من تراجع في القيمة الحقيقية للأجور، وفي ظل مؤشرات اجتماعية واقتصادية صعبة جدا، تتسم بصفة خاصة بالانتشار الواسع للبطالة و للعمل الناقص، وهشاشة الحماية الاجتماعية بالنسبة إلى فئة واسعة من السكان النشيطين، إضافة إلى انهيار قدرة الأسر على الادخار وضمان التضامن بين أفرادها، كما كان في الماضي بسبب ثقل الأزمة الاقتصادية وطولها.

الرسالة الثانية: تقول لمن يهمهم الأمر، بأن قتل الأحزاب وتمريغ كرامتها في التراب وتهافت النخب الحزبية وحيادها المهزوم في قضايا مصيرية تهم الشعب المغربي، لا يعني قتل السياسة والوعي السياسي لدى المواطنات والمواطنين، وأن تجفيف العمل النقابي وإفراغ النقابات من مضمونها الكفاحي والاحتجاجي والمطلبي وتحويلها إلى مجرد تجمعات انتهازية لحماية مصالح خاصة، لا يعني قتل الوعي الطبقي والاجتماعي، الذي يتطور داخل المجتمع، بعيدا عن “الوسطاء” التقليديين.

الرسالة الثالثة: هي رفض الجمع بين المال والسلطة، وما يترتب عن ذلك من تعطيل للقانون وقتل للمنافسة وللديمقراطية معا.

الرسالة الرابعة: تتمثل في رفض اعتبار المواطن/المستهلك رهينة لدى شركات في وضعية احتكار للسوق، وضحايا لغياب المنافسة الذي يفتح المجال واسعا لطرق اشتغال “الكارتيلات”، مما يعري الخطاب المزدوج للدولة، فهي من جهة، ترفع شعارات الليبرالية واقتصاد السوق، بينما هي في الواقع ترعى الاحتكارات وغياب المنافسة.

الرسالة الخامسة: هي أن الاحتجاج السلمي من داخل مواقع التواصل الاجتماعي يشل المقاربة الأمنية التي تم إعمالها بكثافة لمواجهة الحراك الاجتماعي في أكثر من مدينة، وهذا التعطيل في مقابل نجاح المقاطعة، سوف يسمح باتخاذ مبادرات أخرى والتحاقات جديدة، قد لا تجعل من الشارع رهانا وحيدا، كما كان في 20 فبراير.

الرسالة السادسة: أن الطبقة المتوسطة تقول إنها لن تسمح بمسحها من الخريطة الاجتماعية، وإنها تملك وجهة نظر فيما يجري في مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإنها لم تعد تتحمل درجة تخلي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية.

هذه الرسائل المكثفة، هي في اعتقـــادي ما يمكن استخلاصه سريعا من فعل المقاطعة، والذي يصعب التكهن بمآلاته المستقبلية.

شارك برأيك