متى تعود الحكمة لمحاكمة توفيق بوعشرين – اليوم 24

متى تعود الحكمة لمحاكمة توفيق بوعشرين

  • أسئلة حول النموذج التنموي الجديد

  • حكومة تحت الضغط !

وحدهم الموتورون، فاقدو الرشد، من كانوا يتصورون أن محاكمة توفيق بوعشرين ستكون نزهة عابرة تنتهي برمي “قلم مزعج” في غياهب السجون، ويتعظ به كل شبيه بحاله في قول الحقيقة، ويكسب منها الذين يكرهون الديمقراطية ومشتقاتها ولوازمها والأصوات الحرة.
لكن العقلاء كانوا يدركون قبل أن تنطلق محاكمة هذا الرجل، وبالتحديد، غداة اعتقاله بتلكم الطريقة الهوليودية، أن كلفة هذه المحاكمة ستكون كبيرة، وأنها ستدفع غاليا من سمعة البلد وصورته الحقوقية والديمقراطية.
كان من الممكن أن تكون المحاكمة عادية، وألا تأخذ كل هذه الأبعاد الخطيرة. فإذا كان الأمر يتعلق فعلا وحقيقة بوجود شكايات، فالقضاء في البلاد الديمقراطية كلها يحقق مع المعني بالأمر، ويضع نفسه على مسافة من المدعي والمشتبه به، وتحترم قرينة البراءة، وتنأى الدولة بمؤسساتها وأجهزتها وأذرعها الإعلامية عن المساس بهذه القرينة، وتؤدي المحاماة مهمتها بكامل المهنية المفترضة، وتربح الدولة رصيدا مهما في سمعتها، لأنها ليست طرفا، ولأن السياسي مبعد في المحاكمة، ولأن القضاء مستقل، والصحافة غير مستهدفة. المثير في الأمر، أنه في اللحظة التي يريد فيها البعض أن يتجاوز هدف سجن صوت حر إلى تدمير سمعته وعائلته، وربما جميع محاور علاقاته، فإن القضية تتحول إلى صراع من نوع آخر، تنتصب فيه الدولة- ربما من غير أن يكون لها إرادة في ذلك- كطرف، ويصير كل من يبحث عن براءة الرجل معاندا للدولة، وكل من اختار ألا يدلي بـ”زور” يورط هذا الصوت الحر، عدوا للدولة ومؤسساتها.
لنترك التفاصيل جانبا، ولنترك معها صراع الدفاع، وأشكال تدخل النيابة العامة، ولنطرح الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح: ما الذي خسره المغرب من هذه المحاكمة؟ وما الذي ربحه؟
أكبر خسارة خسرها المغرب في هذه المحاكمة، أنه وضع القضاء والنيابة العامة والمحاماة والإعلام في دائرة المساءلة، وظهرت مؤشرات مطردة عن انزياح وانحراف كبير في هذه المؤسسات، تم الاحتجاج عليه من طرف أصحاب الضمائر الحية المشهود لهم بالمصداقية، وتم الاعتراف بذلك حتى من الذين تورطوا في المحظور. لقد تم الاعتراف بوقوع انحرافات في ممارسة مهنة المحاماة، وانحرافات، أيضا، في مواكبة الإعلام لهذه المحاكمة، ولو كان للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري الجرأة اللازمة، لقالت الحقيقة بخصوص انتهاك قرينة البراءة في الإعلام العمومي، ولأوقعت العقوبة على من يجب ممن تورط في اقتراف هذا المحظور. لكن، ماذا بعد الاعتراف؟ وقبل ذلك، كيف حصل هذا الانحراف؟ حصل الانحراف في اللحظة التي حاول البعض من النخب أن يوظف المؤسسات لخدمة أجنداتها السياسية، وبالتدقيق، لما كبر في ذهنها أن ترتيبات المرحلة، أو بالأحرى تكتيكاتها، تقتضي التخلص من قلم توفيق بوعشرين، وربما أقلام أخرى شبيهة له، وتحويل الدولة إلى طرف في صراع مع صحافي أعزل لا يملك إلا رأيه ومؤسسة إعلامية مجتهدة وصامدة تعتبر اليوم، من عناوين الاستقلالية الإعلامية في المغرب. اليوم، بدا للجميع أن ثمن هذا الانحراف جد مكلف، وأن الحاجة أضحت ماسة للتصحيح، وإعادة مراجعة الرأي في الدور الذي يمكن أن يقوم به الصحافيون الأحرار في الدفاع عن مصالح المغرب وصورته الديمقراطية والحقوقية، بدل اعتبارهم أعداءً للوطن وتحويل مؤسسات النيابة العامة والمحاماة والإعلام كآليات للانتقام والتشفي.
لو كان للرشد والحكمة محل، لكانت هناك وجهة نظر أخرى، تحفظ للصحافي توفيق بوعشرين – وكل من شاكله- مكانه واعتباره، وتستثمر استقلالية رأيه في الدفاع عن حرية التعبير والتعددية التي يحظى بها المشهد الإعلامي، ولِم لا استثمار إمكاناته في الدفاع عن قضايا المغرب. فاليوم، بات من المؤكد أنه في لحظة الأزمات التي تمر منها القضية الوطنية لا يمكن الرهان إلا على الوطنيين أصحاب الفكر والرأي الحر، أما المرتزقة، فتعلمنا التجارب أنهم يتركون المنتديات الدولية، التي تستهدف فيها الوحدة الترابية، للتسوق وشرب “ماء الحياة”. حتى الآن، لا شيء ضاع، وبالإمكان اليوم، تصحيح الوضع والاستدراك، ولعل في خطوة الإفراج عن آمال الهواري، ونجلي محمد زيان، مؤشرات لعودة الحكمة، فقد تابع الرأي العام الهدوء الذي طبع الإعلام بعد انسحاب دفاع بوعشرين، وحجم التفاعل مع صوت “الحقيقة والعدالة”، ولم يكن بالشيء العادي أن يصدر عن نورالدين عيوش تصريح يقر فيه بخطأ “الدولة” في محاكمة بوعشرين.
لا شيء ضاع، وإمكانات الخروج من الورطة موجودة، فشخصية بوعشرين البراغماتية والتفاوضية، تجعل من كلفة الخروج من الورطة صفرية، ومن غير ضرب على الدف. فقط، المطلوب هو عودة الحكمة والرشد، والقيام بما يجب للتصحيح، وتخليص المغرب من وجع شديد يوشك أن يُجهز على المكتسبات الحقوقية المهمة التي حققها.

شارك برأيك

AZIZ

BRAVO

إضافة رد