تسمين البطالة…! – اليوم 24

تسمين البطالة…!

  • «خطايا» بوعشرين!

  • «فصوليا» السلط…!

قبل سنوات، وفي لقاء شبابي قلت للحضور بأنه مع دخول اتفاقية التجارة العالمية حيز التنفيذ، ومع إعمال اتفاقيات التبادل الحر، فإن غالبية المصنعين المحليين في الدول التي تعرف تخلفا تقنيا، ولا تعرف توجها صريحا نحو التصنيع ودعما واضحا من الدولة، سوف يتحولون إلى تجار، وسوف تتحول المصانع الموجودة على قلتها، إلى مخازن للسلع المستوردة، وبالتالي، فإن البطالة ستتفاقم في هذه الدول…

هذه الصورة تتحقق اليوم بصور متفاوتة في عدد من بلدان العالم، إذ ساهمت الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية في إعادة توطين المصانع، خاصة مع اقتراب نهاية الرهان على الأجور الصغيرة التي كانت الصين أكثر المستفيدين منها، حيث عادت العديد من المصانع إلى الولايات المتحدة وانتشرت في الدول الصاعدة، التي تعتمد النموذج الصيني للتنمية مثل الفيتنام وبنغلاديش.

المغرب من الدول التي انخرطت مبكرا في جولة الأورغواي واحتضن التوقيع على اتفاقية “الكات”، التي أحدثت تحولا كبيرا في التجارة العالمية، غير أن المغرب لم يغير على المستوى الاقتصادي من توجهاته، واستمر في النهج نفسه المراهن على الريع بأشكاله المختلفة من الفلاحة إلى السياحة إلى الفوسفاط، وغاب التصنيع كاختيار استراتيجي، وبالتالي كان طبيعيا أن الميزان التجاري سيعرف اختلالا كبيرا، الأمر الذي كان له انعكاس مباشر على احتياطيات العملة الصعبة.

صحيح أن بلادنا غيرت هذا الاختيار عندما انفتحت على بعض قطاعات التصنيع التي تضخ اليوم ملايير الدراهم في خزينة الدولة، وخاصة قطاع صناعة السيارات، لكن مع ذلك يبقى غير كاف لأن قيمته المضافة تبقى ضعيفة، وهي استثمارات لا تتسم بالاستقرار… بل تتسم باستغلال مفرط لليد العاملة وتعسف كبير على مبدأ الحماية الاجتماعية، كما أن الانفتاح الإعلامي ساهم في تغيير العادات الاستهلاكية للمغاربة الذين انفتحوا على الماركات العالمية سواء الأصلية أو المزورة، لكنها معا مستوردة أو مهربة، وهذا الأمر يبدأ مع الملابس الداخلية ولا ينتهي بالسيارات والأثاث المنزلي.

البطالة ليست قدرا، لكنها نتيجة طبيعية للاختيارات الاقتصادية، وكلما ابتعد الاقتصاد عن التصنيع، وعن تلبية الاحتياجات اليومية للمواطنين، كلما اتجه الاقتصاد إلى التحول إلى ماكينة لصناعة البطالة، وهو الوضع الذي توجد عليه بلادنا اليوم، فإذا كانت الأوراش الكبرى قد ساهمت في خلق مناصب شغل في العشرية الأخيرة، فإنها لم تنعكس بصورة مباشرة على بطالة حاملي الشهادات التي تعد من أعلى نسب البطالة في العالم، إذ إن هذه الفئة لا يمكن أن تنفلت من البطالة سوى في إطار اقتصاد ذكي ذي قيمة مضافة كبيرة يكون بحاجة إلى استثمار الكفاءات، كما أن التمييز الحاصل بين القطاعين العام والخاص على مستوى الحماية الاجتماعية من تقاعد وتغطية صحية، ساهم في تفاقم بطالة حاملي الشهادات، أيضا هناك مسؤولية كبيرة للنظام التعليمي في صناعة البطالة، فالاستمرار في المسالك المفتوحة وضعف التوجيه من المرحلة الإعدادية للتعليم وتخلف التعليم الأولي والأساسي، كلها عوامل تساهم في جعل مخرجات التعليم صعبة على الاستيعاب من قبل الاقتصاد الوطني بأعطابه البنيوية، إذ إن سوق العمل يعرف انكماشا كبيرا بفعل عدة عوامل من أبرزها التوجه السريع إلى الأتمتة بفعل ما تمنحه الثورة الصناعية الرابعة من إمكانيات، وما يتيح الذكاء الاصطناعي من فرص. هناك نماذج عالمية يمكن الاقتداء بها لتجاوز أعطابنا البنيوية، وخاصة النموذجين الكوري الجنوبي والتركي، وهذا الأمر يتطلب حوارا وطنيا يبتعد عن التشنج، وأساسا المواجهات السياسوية بأعطاب المجتمع البنيوية دون قدرة حقيقية على تقديم الحلول، فضلا عن إطار مؤسساتي ناجع وديمقراطية واضحة.

شارك برأيك