قصـــــة العدالـــــة – اليوم 24

قصـــــة العدالـــــة

  • دروس روتينية من حملة صغيرة

  • سحر عيوش

لتلخيص مشكلة العدالة في المغرب، وأقصد مؤسسات تنفيذ القانون، ابتداء من الشرطة إلى القضاة، هناك قصة شهيرة في تطوان عن شخص لاحقته الشرطة منذ حوالي خمسة عشر عاما، للاشتباه في أنه يقود شبكة خطيرة لتهريب المخدرات.
في شهر نونبر، وبعد عمليات مطاردة فاشلة، نجحت الشرطة في تطويق حفل زفاف حضره هذا الشخص في مزرعة بضواحي مدينة الفنيدق، لكن الرجل فر. وكان أن تحولت المداهمة إلى نبأ جلل في تلك النواحي.
ورغم هروبه، فإن الشرطة خصصت موارد إضافية لتعقب الفار، ونجحت بعد أسبوعين من ملاحقة أفراد، واستجواب آخرين، وربما حتى بواسطة التقاط المكالمات، في توقيفه في منزل آمن بنواحي طنجة. هذا ليس توقيفا عشوائيا لشخص في عملية روتينية. وإنما هو نتاج جهد نوعي ومكلف من الاستخبارات والعمل الشرطي.
هذا الجهد المضني للشرطة سيعزز رغبتها في الحصول على بعض الثناء الضروري بعد نجاح مطاردة ذات تاريخ طويل؛ فقدمت لوسائل الإعلام مادة دسمة عن «رجل كان، إلى وقت قريب، يعد منيعا» إزاء أي عملية للشرطة، وغذت نهم الناس لمعرفة طريقة الإمساك بشخص كانت تشتبه السلطات في كونه «واحدا من بين القلائل من الجيل القديم لبارونات المخدرات الذين مازالوا نشطين».
الصيد ثمين، وحق للشرطة أن تفتخر به. لكن كل تلك الدعاية الصاخبة ستتلاشى: المحكمة قررت تبرئة الرجل بعد أشهر من جلسات المحاكمة المكلفة التي أوتي بشهودها من سجون بعيدة بواسطة جيش من الحراس. أي نعم، الشهود أنفسهم الذين كانت تعتقد النيابة العامة أنهم سيدعمون روايتها، سينقلبون ضدها.
لا يمكن أن تكون الشرطة على هذا القدر من الحمق لكي تكرس جهدها لملاحقة شخص كان يُعتقد أنه «على قدر كبير من الخطورة»، ثم يتبين أن الشرطة، وخلفها النيابة العامة، كانت بصدد عملية أشبه بـ«مطاردة الساحرات».
في المحكمة، ظهرت الشرطة والنيابة العامة وكأنهما لا تمتلكان دليلا ضد هذا الرجل، وكان الأحرى، تبعا لذلك، أن يجرى تدقيق في كافة العمليات الكبيرة التي يعتقد أن فرع الشرطة المعني قام بها دون فائدة، والمجهودات التي كانت تهدر في مطاردة أشخاص أبرياء. وهذه ليست المرة الأولى التي يدخل فيها أشخاص إلى محكمة ويقدمون على أساس أنهم بارونات كبار، ثم يخرجون وفي أيديهم حكم البراءة. لكن لا أحد يعيب عمل الشرطة.
تسقط الأدلة المفترضة في مواجهة «بارونات المخدرات» المزعومين، في المحاكم يوميا، ربما لأن الشهود يتبخرون، أو يستبدلون، أو يقلبون رواياتهم بشكل جوهري. وغالبا، لا تضبط الشرطة «بارونات المخدرات» متلبسين، غير أنها عادة ما يكون لديها سجل يتضمن جيشا من الشهود يمكنهم أن يدينوهم سريعا. لكن، ماذا تفعل الشرطة إذا تراجع الشهود، أو لم تستدعهم المحكمة، أو لم تدافع النيابة العامة بالشكل المطلوب عن قضيتها، أو كان للمعني محامون أكفاء؟ لا شيء، إنها تتراجع إلى الخلف وتراقب المشهد. لكن لقصتنا التفاف سينمائي؛ فالرجل بمجرد أن غادر المحكمة بأيام قليلة بريئا من تهريب المخدرات، حتى لاحقته الشرطة مجددا بتهمة تزوير عقاري هائل.
تضعنا هذه القصة الحية في مواجهة معضلة العدالة نفسها. فالمسألة لم تكن تتعلق بإضعاف الثقة في إجراءات الشرطة، التي تبدو حريصة على سمعتها في السنين الأخيرة، ولا بالتشكيك في مصداقية المحاكم، لكن يظهر أن هناك مشكلة في الطريق التي تسوقك ابتداء من الشرطة وتحملك إلى المحكمة.
وزير العدل، محمد أوجار، لا يتملكه القلق الذي كان يساور آخرين قبله؛ فهو يشبه في علاقته بالعدل وظيفة وزير الدفاع بالنسبة إلى الجيش. دوره التمويني أصبح محددا بمقتضى القانون، وليست لديه القدرة على قول شيء يهم العدل باستثناء الحديث عن حال جدران بنايات المحاكم. النيابة العامة فرضت استقلالها، والقضاة كذلك مستقلون، وكان يجب أن نشعر بالأمان.
لكن المشكلة لم تكن في أن يشعر كل جهاز باستقلاليته، وإنما في أن يطبق القانون بنزاهة. الاندحار القيمي الذي نعاينه لدى جزء من المحامين، والسلطة المتزايدة التي أصبحت لدى النيابة العامة حتى أضحت مصدر قلق، والقضاة الذين يعتقدون أنهم مستقلون فقط على الورق، سيجعلون من مهمة إرساء العدل عملية مضنية. لا تنجح أي عملية لإحقاق الحق إن جرى تجاهل الثغرات الموجودة في طريقة عمل مؤسسات إنفاذ القانون، أو سمح بتوسيعها.
لا تجرى عادة استطلاعات رأي ذات مصداقية توضح لنا نسب شعور الناس بالعدل، وثقتهم في إجراءات العدالة، لكن بعض الاستبيانات أظهرت أن الناس مازالوا يشتكون مؤسسات تطبيق القانون.
قصة «البارون البريء» الذي سقت مثاله هنا، كانت نموذجا معبرا؛ فالناس الذين يعتقدون أن الأدلة يمكن أن تتبخر من الملفات، لا يستبعدون أن تدس في أخرى، ولن يكون بمقدورك أن تدقق في أي مرحلة ضاعت أو دست الأدلة. لكن كن متأكدا أن شعورك بالعدالة سيتبخر.
وللقصة نهاية موحية؛ فما كاد محامي «البارون البريء» يفرح بالنتيجة، حتى كانت الشرطة قد وضعت موكله في السجن بدعوى المشاركة في تزوير عقاري.6

شارك برأيك