هل استنفد دستور 2011 أغراضه؟ – اليوم 24

هل استنفد دستور 2011 أغراضه؟

  • بين العدمية والأمل وخطاب الحقيقة

  • من أفسد الدخول المدرسي

منذ سنة 1962، والمغرب يخوض تجارب الإصلاح الدستوري، مرورا بتعديل 1970، وتعديل 1972، وتعديل 1992 وتعديل سنة 1996.

ثم التعديل الجوهري الذي حدث في عهد محمد السادس سنة 2011، والذي حاول ترجمة بعض تطلعات الحراك الديمقراطي، الذي انطلق مع حركة 20 فبراير.

القاسم المشترك بين هذه المحطات المفصلية، هو حساسية الظروف السياسية التي أملت الإصلاح الدستوري، واقتناع المؤسسة الملكية بضرورة ترك مسافة أكبر للقوى السياسية، والقبول بتعديل تكتيكي لموازين القوى السياسية لصالح القوى الديمقراطية، باستثناء دستور 1962 التأسيسي، الذي رسم قواعد العلاقة بين المؤسسات بالمنظور التقليدي، الذي أرساه الملك الراحل، ولقي اعتراضا شديدا من قبل القوى الديمقراطية بمختلف أطيافها.

الجدير بالملاحظة، أن القوى الديمقراطية التي رفضت دستور 1996، ورفضت الشروط السياسية التي أراد الحسن الثاني تمرير تجربة التناوب التوافقي في ظلها، عادت وقبلت الاشتغال معه بالدستور نفسه، وانتهت في تقييم تجربتها – على الأقل بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي- إلى نتيجتين: الأولى، تخص عائق الدستور نفسه، إذ انتقد اليوسفي عدم احترام المنهجية الديمقراطية، وهو المقتضى الذي لم يكن منصوصا عليه دستوريا، كما انتقد ضعف صلاحيات الحكومة ورئيسها، والثانية، تخص قدرة جيوب المقاومة (القوة الثالثة بتعبير اليوسفي)، في استثمار الإمكان الدستوري وإنتاج ديناميات سياسية مقاومة للإصلاحات.

ولذلك، لم يتردد الاتحاد الاشتراكي في الإعلان عن مطلب “الملكية البرلمانية” عشية خروجه من قيادة الحكومة.
تجربة التناوب الثانية، التي قادها العدالة والتنمية، كانت نسبيا أكثر حظا من حيث دسترة المنهجية الديمقراطية وتوسيع صلاحيات رئاسة الحكومة، وتقوية البعد الرقابي والتشريعي للبرلمان. لكن، بعد لحظة “البلوكاج”، وما تلاها من إعفاء بنكيران، عادت من جديد أطروحة تحديد المسؤوليات، وإعادة رسم الحدود، وذلك على الأقل من جهتين:
• الأولى، وتتعلق بحدث الإعفاء نفسه، والذي كان يعني بلغة السياسة، حسم الآليات الدستورية في تكييف المسار الديمقراطي والتدخل في مضمونه ومكوناته.
• الثانية، وتتعلق بحدود التماس في المسؤولية بين المؤسسات، إذ في الوقت الذي استمرت فيه الصفة التنفيذية للملكية، ظهرت في المقابل بارقة نقدية حادة تجاه السياسات الحكومية، إذ دشنت جيلا جديدا من الخطب النقدية للقطاعات الحكومية، ورتبت في بعض الأحيان سياسات جزائية تجاه وزراء (وزير الشبيبة والرياضة)، وبلغ الأمر إلى درجة إقالة وزراء على خلفية اختلالات في تنفيذ “مشروع الحسيمة ــ منارة المتوسط”، وتدشين خطاب نقدي حاد اتجاه المسؤولين على خلفية حراك الحسيمة، بسبب عدم قيامهم بمهام الوساطة وتزايد الطلب على التدخل الملكي.

صحيح أن ثمة جدلا معتبرا حول الدستوري وغير الدستوري، لكن في العموم، ظهر من جديد العطب في دستور 2011، مباشرة عقب إعفاء بنكيران، وليس قبله.

تفسير ذلك أن الديناميات السياسية والإصلاحية التي أقدمت عليها حكومة العدالة والتنمية، فضلا عن القدرة التواصلية الكبيرة والكاريزما السياسية التي كان يتمتع بها عبدالإله بنكيران، ساهمت في التغطية على أعطاب دستور 2011، إذ كان يقوم بمهمة تجسير العلاقة بين الصفة التنفيذية للمؤسسة الملكية، وبين المسؤولية الديمقراطية للحكومة، بل كان يُضفي على مخرجات المؤسسة التنفيذية بعدا ديمقراطيا حينا، أو استراتيجيا حينا آخر، وذلك حين كان يؤكد على نجاعة إناطة القضايا الاستراتيجية بعقل الدولة، وليس بعقل الحكومة.

لكن مباشرة بعد إعفاء بنكيران، حصلت مفارقتان، ففي الوقت الذي تراجعت فيه المسؤولية الديمقراطية للحكومة لصالح كثافة الصفة التنفيذية للمؤسسة الملكية، توسعت دائرة الانتظار والارتباك والغموض عند تراجع أو تريث الصفة التنفيذية، وظهرت الحكومة كما ولو كانت في محطة انتظار كبيرة للتوجيهات بسبب التعود على عدم استباق الصفة التنفيذية.

النتيجة أن الحكومة لم تستطع أن تقارب موضوع حراك الريف وحراك جرادة بتوازن، بسبب تنافر المقاربة السياسية والمقاربة الأمنية.

شارك برأيك