كرة القدم والديمقراطية.. – اليوم 24

كرة القدم والديمقراطية..

  • من دولاب السياسية..

  • القوس المفقود..

هل ن صلة بين التفوق في كرة القدم والتفوق في الديمقراطية والحقوق والحريات؟ وهل يثبت المنتخب المغربي بأدائه المبهر هذه الصلة أم ينفيها؟ الجواب عن السؤالين بنعم. لكن تريث. لا يعني ذلك أن أداء اللاعبين المغاربة القوي والممتاز الذي نالوا به تقدير فرق كبرى وتعاطف واعتزاز ملايين المشجعين، يعني أن الأداء الديمقراطي والحقوقي للبلاد يضاهيه قوة وامتيازا. قد تسأل وكيف تقوم صلة بين الأداء الكروي والأداء الديمقراطي لأي بلد ولا يكون أداء المنتخب، في الحالة المغربية، مرآة عاكسة لهذه الصلة؟

ببساطة شديدة لأن علو الكعب الذي أبان عنه لاعبو المنتخب المغربي صنع، في معظمه، بالديمقراطيات الغربية. هناك حيث مدارس كرة القدم متطورة ودولة الحق والقانون وتكافؤ الفرص قائمة في واقع الناس وليس فقط في الشعارات. هناك حيث الالتحاق بنادي لكرة القدم ليس رهينا بالوساطات والتدخلات أو الإمكانات المادية أو الوجهيات، وإنما بالموهبة والمهارة والحرص على استثمار المواهب الرياضية الغضة بأكبر قدر ممكن من الشفافية والإنصاف. هناك حيث البنيات التحتية الرياضية تزدوج بمستوى متقدم من الحكامة التدبيرية للفضاءات الرياضية من أجل إنتاج جيل رياضي متميز وقادر على المنافسة في كبريات الأحداث الرياضية.

قبل بداية منافسات كأس العالم، كتبت “نيويورك تايمز” تقريرا عن المنتخب المغربي بعنوان يقول “المغرب يخوض كأس العالم بمنتخب مستورد”. البعض يرى أن أحد أسباب فشل المغرب في تخطي عتبة الدور الأول للمونديال الروسي رغم أدائه الرفيع، يتمثل في أنه لا يمكن للتلميذ أن يتفوق على المدرسة التي خرجته. المدرسة هنا تعني المنتخبات الأوربية، وربما بصفة أقوى إسبانيا في مجموعة المغرب بالتصفيات. بيد أن أداء المنتخب أمام “المدرسة” كاد يثبت العكس، لولا تقنية الحكم المساعد بالفيديو VAR التي بدت أقرب إلى خدمة تحت الطلب تشهرها فيفا في وجه المنتخبات التي لا تكن لها ودا كبيرا. لكن حتى لو ثبت العكس، ووصل المغرب إلى نصف النهائي فهل كان ذلك ليعكس حالة التقدم الديمقراطي في البلاد؟ ولمن يعترض على سؤالي هذا بالقول لم تقحم السياسة في كرة القدم، سأعدل السؤال ليرى كيف أننا سنعود من جديد لطرحه هو عينه. لنجعل السؤال: حتى لو ثبت العكس، ووصل المغرب إلى النصف، فهل كان ذلك ليعكس حالة كرة القدم والرياضة في البلاد؟

الجواب قطعا بالنفي. الأندية الكروية المغربية لا تخرج لاعبين كبار، وتعاني كوارث حقيقية في مسألة التدبير والشفافية، وحالة البنية التحتية الرياضية ضعيفة جدا، وتنقيط فيفا الذي اتبعه أعضاؤها خلال تصويتهم ضد ترشح المغرب لاستضافة كأس عالم 2026 بمؤتمرهم الأخير، صار حجة ضد المغرب، كما أن مباريات الدوري المحلي لا تقدم عروضا كروية كبرى من زاوية الفرجة والإمتاع. واقع كرة القدم المتضعضع جزء من واقع البلاد المتضعضع والمتأرجح في الديمقراطية وتكافؤ الفرص، وإعلاء الحقوق والحريات وربط المسؤولية بالمحاسبة والتدبير الحكيم للموارد وغيرها. نقاط الضعف هذه تطال كرة القدم مثلما تطال قطاعات أخرى، وكما أن النهوض بقطاعات أخرى لا يمكن أن يتحقق بمنأى عن النهوض بتلك الأسس، فكذلك النهوض بكرة القدم لا يمكن أن يتحقق بمنأى عنها. لا توجد نهضة بالتقسيط وتطور بالتجزيء. وبذلك سنرتد إلى سؤالنا الأول الذي يصل بين التفوق الكروي وتفوق الدولة في الديمقراطية والشفافية والنزاهة التدبيرية والحريات والحقوق.

بمعنى آخر، حتى لو فزنا بكأس عالمية بفريق لا يعكس واقعنا الديمقراطي ومن ثم الرياضي، وبفرحة لا تفعل شيئا سوى أنها تنسينا قليلا دروب الغبن والأحزان عوض أن تنضاف إلى أفراح جماعية أخرى تصنعها الأمة في مجالات مختلفة، سيظل فوزنا فوزا منحولا بشكل ما، غير أصيل، وسيظل سرورنا سرورا عابرا أكثر منه تعبيرا عن ازدهار البلاد حاملة اللقب. استقطاب الكفاءات الرياضية المغربية من الخارج ليس عيبا. ولا أدل على ذلك الروح القتالية العالية التي أبان عنها نور الدين أمرابط. فقط سيكون هذا الاستقطاب أكثر إقناعا وجمالا حين يكون اختيارا لا اضطرارا.

شارك برأيك