لمَ «لا» أحب اليسار – اليوم 24

لمَ «لا» أحب اليسار

  • مرثية النخبة الزائفة

  • قصة قصيرة عن «فساد» طويل

اليسار في المغرب ليس شعبا واحدا، ومن الواضح أن اليساريين مازالوا يبحثون عن شعب. في الانتخابات العامة، بالكاد يحصلون على عُشر الأصوات، وأقل منها عندما تُحول إلى مقاعد. تشكيلة عريضة من حوالي عشرة أحزاب تغالب بمحنة، عوامل اندثارها، لكن ميزة اليساريين أنهم بارعون في تحويل الهزائم المادية إلى نصر معنوي. وهم في طريقهم إلى فعل ذلك، يشعرون بنشوة أكبر، وهم يشاهدون سقوط رفاقهم الآخرين. لم ينتعش أحد مثل اليساريين عندما أضحى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجرد «دكان» صغير، بعدما كان محرابا يؤدي خلفه معظم اليساريين صلواتهم السياسية. ولم ير أعضاء حزب التقدم والاشتراكية خصوما في اليمين أعتى من أولئك الذين حاربوه على يساره. ليست هناك عائلة يسار، كما يزعم المنظرون المتوهمون لوحدة مستقبلية، تجمع هذه الكيانات المنفلتة من الواقع. وبمجرد أن نزع قابض هاتف موسكو من مكانه، كما يقال، قبل حوالي ثلاثين عاما، أصبح اليساريون المغاربة خصوما لبعضهم البعض.

لم يستفق الناس يوما ليجدوا الرفاق وقد علقوا رفاقهم فوق الأعمدة في الشوارع، لكن المشانق كانت قد نصبت في كل مكان. كانت عبارة عن مائة فكرة وفكرة لا يمكن تجميعها في كتاب ولا في حزب ولا في شخص. اليساريون يعتقدون أن القيم السياسية ضاعت في منتصف الطريق لأن رفاقا متسرعين أخطؤوا الطريق قبل عشرين عاما عندما قبلوا بأن يضعوا أيديهم في يد السلطة. والسلطة لا تعني اليساريين إن لم تكن لهم وحدهم، أو لم تكن وفق شروطهم. أما من قبلوا بشروط السلطة، فإنهم خائنون. تحولت صكوك الغفران إلى تجارة مزدهرة عند اليسار القصي، حيث لا مكان للمفاوضة على المبدأ. وما هو المبدأ؟ هو العقيدة البراغماتية التي تدفعك إلى الإيمان بأنك، وإن كنت هامشيا من حيث حجمك، فإنك مركزي من حيث دورك في حركة الأشياء. ويعمل اليساريون، دون كلل، على فكرة أن التغيير سيكون على أيديهم، حتى وإن كانت تجاربهم تردهم كل أربع سنوات صاغرين. بيد أنه لا قيمة للانتخابات عند اليساريين، فهم إن شاركوا فيها وخسروا، يلومون السلطة، وإن لم يشاركوا فيها، وجهوا العتاب إلى رفاقهم الذين شاركوا. لم أر كل هذه البغضاء بين أفراد عائلة واحدة مثلما رأيت في اليسار.

فدرالية اليسار ليست مثالا نموذجيا، لكنها تستحق الدرس، فقد أظهرت صلابة في مواجهة عوامل تشتيتها. ونصف فكرة، تلك التي عادة ما تفرق بين الرفاق، لم يعد لها مكان.. إنهم يقبلون بالمؤتمر الوطني الاتحادي، حتى وإن كانت طريقته في إدارة الانتخابات تشبه ما يفعله اليمين، كما يقبلون بأنصاف الحلول على عدمها، وخير برلمان لا يمكن إرجاؤه باسم الملكية البرلمانية. لكن الحلم بحزب واحد يجمع هيئات الفدرالية مازال بعيد المنال.

اليسار ليس مثل اليمين، والقول إن حزب التقدم والاشتراكية، مثلا، أكثر فعالية في السياسة من حزب الحركة الشعبية، رغم فارق الحجم الانتخابي بينهما، لا ينقصه دليل. من يهتم بالحركة الشعبية؟ لا أحد.

الشعور بالاعتزاز لدى اليسار خلق نوعا من الأنانية المفرطة لدى قادته، وهذا ليس مرضا طفوليا بقدر ما هو إحساس معنوي بالتمكين يعضده الاعتقاد بالصواب والحق. يدفع هذا الشعور تجمعا يساريا، يساوي القليل من الناحية الانتخابية، إلى احتقار يساريين آخرين أفضل منه في النتائج، وهكذا دواليك. أما آخرون، ممن لا يهمهم أي شيء، فإنهم يقودون معارك ضد الجميع.

وعندما تختفي المعارك الانتخابية، حيث يكون تطاحن اليساريين منشطا إضافيا، يُصنع «عدو» جديد: الإسلاميون. لا تريد فدرالية اليسار، دون شك، أن تساعد إسلاميا في الوصول إلى الحكم، فيرمي بأعضائها في زنزانة، كما كانت عليه الحال في دول أخرى. وهي تحاربهم لهذا السبب، على ما يبدو، لأن ما نسمعه على الدوام أن هؤلاء ميالون إلى السلطة المستبدة أكثر من أي شيء آخر.

لليساريين مائة فكرة وفكرة عن الطريقة التي ينبغي أن يعالجوا بها مشكلة الإسلاميين في الشارع أو في السلطة. وهم ينفذون أفضل طريقة حتى الآن، بإبعاد أنفسهم عنهم، لا مواجهة، ولا شراكة معهم. وحتى يتحقق عائد عملي من وراء هذه الخطة، مازال اليساريون يفكرون كيف يجنون أصواتا أكثر، لا كيف يربحون الانتخابات، كما لايزالون يمارسون هوايتهم المفضلة: التفرقة.

شارك برأيك