بالرغم منا قد نضيع.. – اليوم 24

بالرغم منا قد نضيع..

  • من دولاب السياسية..

  • القوس المفقود..

أنت تطلب مستشفى ومدرسة وطريقا سالكا نحو مدينة مجاورة، أو قرية شقية، أو جانب البحر أو وربما نحو المستقبل. يقابل النظام مطالبك بوعود تملأ ما بين السماء والأرض سعة وتضاهي نجوم الليل جمالا. يطلب منك أن تصبر قليلا، فتعبئة الاستثمارات أمر شاق وصعب، والدراسات التقنية تحتاج وقتا، وهناك لقاءات ولجان واستشارات يجب أن تعقد لترى مطالبك النور على أكمل وجه. تصبر وتحتسب وتنتظر، وتمر السنون والأيام، وتبقى الوعود معلقة في السماء. على وليمة صبرك وحاجتك تجتمع أسنان مفترسة، وضمائر ميتة تقتات على كل شيء. وفي زمن قصير تكون المشاريع كلها متحللة في بنوك بعيدة وحسابات سرية.

تغضب أنت. فهذا ثالث أبنائك يودع مجالس النور والقلم لأن المدرسة بعيدة، وهذه أختك المتألقة سيخبو ألقها بعد شهادة الابتدائي، لأن الإعدادية بعيدة جدا والطريق قفار والتدفئة منعدمة والبرد قاتل. وهذه الجارة لم تصمد أمام المرض بعدما تركتها الدولة لجهازها المناعي يدبر أمر دائها العضال. وهذا صديقك يعاني مع بضاعته في تلك المسالك الوعرة ولا يجد بدا من هذا الطريق المخيف الذي يتراءى فيه الموت للعابر، ففرص الشغل محدودة والوعود لا زالت معلقة في السماء. وذاك صديقك الآخر، مات سعيا وراء لقمة العيش.

تغضب أنت. حتى المساعدات التي كان يرسلها الأقارب من الغربة قلّت مع أزمات ذلك العالم الرأسمالي المتوحش. وفي هذه اللحظات نفسيتك بدأت تنهار. من حقك أيضا أن تبني بيتا، من حقك أن تسافر وتتقاسم بدورك صور السفر على شبكات التواصل، من حقك أن تجد العلاج إذا تعبت. أنت تعلم أن البلاد برمتها تعاني وأن الفروق بين ترابها في الرعاية الاجتماعية ليست ذات بال. ففقير فاس أو وجدة أو كلميم أو زاكورة ليس أفضل حالا من فقير الحسيمة أو الناظور. وشباب مدن البلاد يحملون أحاسيس متقاربة بالغبن مع بعض الاختلافات حسب المزاج المحلي والتاريخ والعادات. لكن هل هذا ذنبك؟ وماذا تصنع لو فار منك الغضب قبل هذا أو ذاك؟ وأي نظام هذا الذي يحدد لشعبه أوقات الغضب وأقداره ؟ ومتى كان الإنسان يتحكم في آلامه؟ تخيل معي أن تطلب من مريض يتلوى وجعا من كسر بعظمه، أن يصمت لأن غيره تعرض لكسور أكثر؟ ما ذنب هذا بكسر غيره؟ الحكمة أن تجبر كسور الناس على اختلافها، بل الحق والواجب.

تغضب أنت، ولست محترفا للنضال، ولا تفقه كثيرا في خطابات الأحزاب وتمثيليات الزعماء ورسميات المفاوضة الجماعية. بل لو لم تتحول هذه المفاوضة بين الدولة والنقابات إلى مداهنة صفيقة وتنويم للجماهير الشعبية لكانت لديك بقية من ثقة فيها.

تغضب أنت، فتخرج للشارع وتصدح بشعارات قوية وتكسر لغة الخطابات “الرصينة”. طبعا، أنت لا تفعل ذلك قصدا، بل صدفة. أنت فعلا لا تعلم كل ما قد يكون لتلك الكلمات من وقع. ولا تريد خوض أي معركة ضد النظام. تريد فقط التنفيس عن غضبك والاحتجاج قليلا على مفترسي الأموال العامة وأحلام الفقراء. ربما أحيانا غرك الحماس، ربما أحيانا خانك التعبير، أخطأت في لحظات. ممكن، لكن أبدا لم يكن ذلك ليخرج عن عفوية الناشطين غير المنتمين لإطارات حزبية أو حقوقية “مدربة”.

تغضب أنت ونغضب نحن أيضا معك. وقد غضبنا معك منذ بدأت الاعتقالات. لم يدر بخلدنا أن تصدر في حقك كل هذه الأحكام الثقيلة. أنت في السجن تشعر بالألم والغرابة، ونحن هنا نشعر بالغبن والخيبة. الغبن أن يكون شباب في عمر الورد خلف القضبان في قضية كان خطأ علاجها عبر مسلك الأمن والقضاء. نغضب ولا نيأس في أن يجد مقترح العفو العام، الذي تقدم به نائبا فدرالية اليسار بمجلس النواب طريقه للتحقق، أو أي مبادرة أخرى تصفي أجواء البلاد من هذا الاحتقان. النظام المغربي فيه عقلاء. تجب العودة إلى المصالحة بشكل طارئ، وإلا، كما قال الشاعر، “بالرغم منا قد نضيع..”.

شارك برأيك

مواطن*

لربما هناك تسرع في الجزم بأن “النظام المغربي فيه عقلاء”. لو كان اﻷمر كذلك بالفعل، لما وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من تعقيدات و تراكمات أزمة مركبة و متعددة اﻷبعاد. لو كان هناك عقل ما و لو نصف-عقل ما في مكان ما، لما تركت أزمة الريف تستفحل رويدا رويدا لأشهر طوال و لما دشنت محكومة العثماني مسار التشنج بتخوين الحراك و استفراد “العقل القمعي” بالملف. لو كان هناك عقل.. لو كان هناك عقل..

إضافة رد