السلفية الوثنية – اليوم 24

السلفية الوثنية

  • عاشت كرواتيا..

  • النيابة الوطنية للصحافة

لا أريد أن أستسلم بسهولة للرأي الجارف القائل إن السلفية بكل أنواعها وتفريعاتها، باستثناء السلفية الوطنية، لم تغادر يوما مختبرات الاستخبارات العربية. لكن، ما لا يمكن نفيه أيضا هو أن مختلف هذه السلفيات، والتي استُنبتت كل فسائلها وفصائلها في المغرب، وقفت باستمرار ضد إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصائرها بالديمقراطية، وصبت في مصب السلطوية، عكس السلفية الوطنية التي نشأت طبيعيا، فناضلت من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وكان رائدها في المغرب، شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي يقول: «أنا في خدمة العرش مادام العرش في خدمة الشعب».

وحتى لا أذهب بعيدا في التحليل والتدليل، فأنا أقصد السلفية التقليدية التي انبطحت للحاكمين وحرَّمت الخروج على الحاكم ولو كان ظالما، والسلفية الجهادية التي تمردت على الحكام وكفرتهم ودعت إلى الخروج عليهم، وبين هذه وتلك ثمة سلفية أكملت دورتها مثل التيار الذي يمثله محمد الفيزازي. فالرجل نشأ في بيت سلفي تقليدي، ثم تحول إلى تكفيري جهادي، قبل أن يعود الآن سلفيا تقليديا، لا يحتفظ من محطته التكفيرية إلا بالشراسة التي يواجه بها، اليوم، المدافعين عن الديمقراطية، من سياسيين وحقوقيين ومثقفين ونشطاء الحركات الاجتماعية.. بمبرر تطاولهم على النظام.

الفيزازي، وفي عز هجومه على الديمقراطيين، لا ينتبه إلى أنه وأمثاله من رافضي الديمقراطية، من يهددون النظام القائم برفضهم ركنا من أركانه، كما هو محدد في الفصل الأول من الدستور: «نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية»، وأنه بذلك يتساوى مع الجمهوريين في رفض نظام الحكم القائم أو بعض أركانه.

ففي إحدى محاضراته، لم يتحرج الفيزازي من القول: «إذا فاز العلمانيون في الانتخابات سأهاجر إلى جزر القمر». الفيزازي، طبعا، يقصد بالعلمانيين الديمقراطيين، لأنه لو كان له موقف من العلمانية فقط لما حل، في أكثر من مناسبة، ضيفا على حزب الأصالة والمعاصرة الذي يساند أغلب قيادييه الحريات الفردية، ويقولون، بلا مواربة، إن حزبهم جاء لمواجهة الإسلاميين، دون أن يطالهم أي هجوم أو نقد من الشيخ الفيزازي، أو الشيخ المغراوي الذي لا يجد أي تناقض في «تحريم» سياقة المرأة السيارة وارتدائها البنطلون، وبين دعم «البام» انتخابيا.

اليوم هناك تيار سلفي واضح، رمزاه الكبيران هما الشيخان المغراوي والفيزازي، وبرنامجه الأبرز هو مواجهة أي جبهة ديمقراطية قد تتشكل، اجتماعيا وسياسيا، على أنقاض الانهيار القيمي والتنظيمي لأحزاب الحركة الوطنية، وبالموازاة مع الديناميات الاجتماعية التي أعقبت حراك الريف. لقد بدا ذلك واضحا من التحامل الكبير لأتباع الشيخ المغراوي على معتقلي حراك الريف، وتأييدهم الأحكام القاسية عليهم، حتى إن أحد أبرز هؤلاء طالب بإعدام الزفزافي ورفاقه. هؤلاء السلفيون الذين ابتلعوا ألسنتهم بعد مسيرة ولد زروال، التي بدد فيها المال العام وجُيش فيها أعوان السلطة ولا يختلف عاقلان حول إساءتها إلى صورة المغرب، هم الذين خرجوا يهاجمون المسيرة التضامنية الأخيرة مع معتقلي حراك الريف بالدار البيضاء، وخصوا نبيلة منيب بالقسط الأوفر من السب والتشنيع. الخطير هو أننا بالأمس القريب، كنا نجد، داخل الدولة والأحزاب، من يطالب بحل حزب إسلامي (البيجيدي) بدعوى توظيفه الدين في السياسة، واليوم نجد، داخل الدولة والأحزاب من يدعم توظيف الدين في السياسة، على منوال حزب النور المصري، لتبرير التراجعات الديمقراطية والحقوقية، والتحريض على الديمقراطيين، مثلما يفعل الفيزازي الذي يريد الوقيعة بينهم وبين المؤسسة الملكية.

إن هؤلاء السلفيين الذين كانوا، قبل اعتقالهم، يدعون أتباعهم إلى تكفير الدولة ومؤسساتها، ويدعونهم الآن إلى عدم انتقادها، يريدون من المغاربة أن يتبعوهم ويسلموا لهم في تقلباتهم، مثلما كان الوثنيون العرب يقولون: «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون». فشتان بين السلفية الوطنية والسلفية الوثنية.

شارك برأيك