قصة قصيرة عن «فساد» طويل – اليوم 24

قصة قصيرة عن «فساد» طويل

  • دروس روتينية من حملة صغيرة

  • سحر عيوش

ليس هناك أفضل من الدور الذي يلعبه كُتاب خطابات رئيس الحكومة في التجارة المزدهرة في ولايته، حيث تُصبح الوعود سلعة تباع دون آجال، مثل سوق مفتوح للكلام غير المسنود بأي قيمة حقيقية.

ولكن للكلام، على كل حال، قيمة في السياسة. سعد الدين العثماني الذي يواجه الفساد على الأرض بـ«تحفظ في الكلام»، يستطيع فجأة أن يختبر حدوده القصوى في إطلاق الإعلانات الكبيرة، مثلما تفعل شركة ما عادة عندما تصرف أموالا هائلة لاختبار الاستجابات المتوقعة في سوق الاستهلاك. هذه المرة قرر العثماني، بصفته رئيسا للحكومة، أن يطلق الوعيد المرجو: «لن أتسامح مع كل من ثبت تورطه في فساد في تدبير الصفقات العمومية في مختلف مراحلها».

يبدو تصريح رئيس الحكومة روتينيا، وقد صدر بالصيغة نفسها من لدن الوزراء الأولين الذين سبقوه أو الوزراء الذين كان الفساد رياضة مشوقة في عهدهم. وحُق لنا أن نشك في مصداقيته إن لم تعضدها دلائل على الأرض. لست هنا بصدد عرض حصيلة هذه الحكومة في مكافحة الفساد الذي بدأ شعارا انتخابيا مغريا، وانتهى إلى مجرد مقتطف مُزين على لوحات إشهارية رديئة تُبث على الشبكات الاجتماعية. لكني سأقلب الأمر، وأنظر إلى ما يحدث لمن يتجرأ على فضح تورط شخص أو أشخاص في تدليس أو ارتكاب فساد في تدبير الصفقات العمومية. نسميهم فاضحي الفساد. هناك أمثلة كثيرة عن أشخاص قرروا فضح الفساد في مكان ما، لكن سرعان ما جرى التنقيص من قيمتهم، وغُمرت قضاياهم بالظلال السياسية، وبعضهم لوحق وشوهت سمعته، وانتهت حياته كما كان يعرفها.

المختار جنيد اسم غير معروف لدى الناس، لكن قصته باعتباره «فاضح فساد» مقلقة. عمل جنيد موظفا في وزارة الفلاحة والصيد البحري منذ العام 1991، بمديرية سطات، وبعد عشرين سنة، قرر أن يتخذ قراره؛ فقد رفض مسايرة رغبات رؤسائه في تمرير أجزاء من صفقات وهمية. طلب جنيد من وزارته في 2011، أن تبعث لجنة تفتيش يمكنها أن تبحث في خريطة فساد يعتقد أن حجمها مهول. وبالفعل، وصلت لجنة التفتيش إلى مكان عمله. لكن المفاجأة أن ما كان يهم المفتشين ليس الوصول إلى حقيقة الفساد، بل العثور على «حقيقة» ما بخصوص فاضحه تجعله موضع شكوك. وفي نهاية المطاف، عادت لجنة التفتيش وفي حوزتها برهان ضد فاضح الفساد نفسه. لقد تصورت أن أسهل طريق لإغلاق ملف الفساد هو اتهام كاشفه بالفساد، كيف ذلك؟ بالقول إن الموظف ترقى باستعمال شواهد مدرسية مزورة. وأجري له مجلس تأديبي لم يُستدع إليه كما برهنت المحكمة على ذلك، وقررت الوزارة طرده. والمشكلة أن تلك الشواهد المزعومة لم تكن الشواهد التي حصل بها الموظف على ترقيته، فقد دُست في ملفه في مرحلة ما، ثم أمرت المحكمة لاحقا بإلغائها. وبسبب دعوى التزوير هذه، أيقظت فرقة من الشرطة هذا الموظف من نومه، ونقلته إلى التحقيق ثم المحاكمة، حيث بقي شهورا في الاعتقال الاحتياطي حتى نال البراءة. كان على الموظف أن يتوقف عند هذا الحد، فالخسائر التي حصدها من وراء فضح الفساد باتت مكلفة، لكنه لم يفعل. لقد قرر أن يحمي سمعته من هذا الوحل الذي أريد لرأسه أن يغرق فيه، وفعل ذلك بعمل شجاع: ملاحقة رئيسه الأعلى، وزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، في المحاكم.

ومنذ 2012، بدأ هذا الموظف مسيرة القضاء العسير، فأن تقاضي وزيرا ليس أمرا يسيرا، وكون المعني هو أخنوش يجعل القضية عسيرة أكثر. هكذا فكر ثم قدر. كان هدف الموظف هو العودة إلى عمله، فحصل على حكم سريع لصالحه، ثم، بعد سنتين، حصل على تأكيد استئنافي، لكن كل ذلك لم يكن مهما. فوزير الفلاحة رفض التنفيذ بدعوى أن وزارته لا تملك مالا لإعادة شخص إلى وظيفته، وذهبت القضية إلى محكمة النقض، وكانت النتيجة لصالح الموظف أيضا. لكن لم يتغير شيء.

فهم الموظف، الذي لا يملك أي مدخول منذ حوالي ثماني سنوات، أن فضح الفساد يكلف الكثير، فارتأى أن يتقاسم الكلفة مع أخنوش نفسه، لذلك، استصدر قرارا من رئيس المحكمة الإدارية بالرباط في مواجهة «تعنت أخنوش»، بدفع غرامة تهديدية قيمتها مليونا سنتيم عن كل يوم تأخير تبدأ من 12 أبريل 2017. أخنوش حتى الآن ملزم بدفع 900 مليون غرامة تهديدية، ومازال العداد مستمرا في الحساب.

يعود جنيد إلى بيته محبطا قليلا، فهو ينظر إلى ما عملت يداه، عندما صدق، على ما يبدو، مسؤولا كالعثماني قال إن حكومته لن تتسامح مع الفساد في الصفقات العمومية. إنه الآن ينظر إلى زملاء عملوا معه وضبطوا متلبسين في أعمال فساد بذرت الملايين في مشاريع وهمية، لكنهم حصلوا على عقوبة مشجعة: خصم راتب شهرين من العمل. ومع ذلك، لا تفتر حماسة جنيد، فهو يأمل في أن يعيد لفاضحي الفساد ألقهم الذي أنهكته عمليات مطاردة الساحرات، والأهم أن الرجل لا يصدق العثماني.

شارك برأيك

مواطن*

قصة غريبة حقا.. ما دمنا في مملكة العجائب و الغرائب. و إن كانت غالبية الساكنة تحلم بالعيش في بلد عادي جدا جدا.. و لربما سيصحو بطلنا المغبون هذا من كابوس “آغارس آغارس” خاصيته يوما ما و يلعن اليوم الذي قرر فيه الكشف عن “المعقول”.

إضافة رد