الدولة وشيخوخة النخب – اليوم 24

الدولة وشيخوخة النخب

  • بين العدمية والأمل وخطاب الحقيقة

  • من أفسد الدخول المدرسي

بدأت تظهر في الآونة الأخيرة مؤشرات مقلقة بخصوص النخب التي تقود المؤسسات الأساسية في الدولة، بعضها مرتبط بتعمير بعض النخب لعقود طويلة في بعض المسؤوليات، والبعض الآخر مرتبط بصعوبة تعويض النخب المغادرة، فيما يرتبط البعض الآخر باطراد ملاحظة ظاهرة إعادة موقعة النخب القديمة، أو استخدام النخب  نفسها في وظائف ومسؤوليات متعددة.

لا توجد لحد الآن دراسات استقصائية حديثة عن هذه النخب، والمدى الزمني الذي قضته في المسؤوليات، والوظائف التي يؤدونها ضمن نسق الدولة السياسي.

يمكن أن نلاحظ في الصورة الأولى استقرار والي بنك المغرب، والمندوب السامي للتخطيط، والأمين العام السابق للحكومة، قبل أن يُستعان بخدمات الأمين العام الحالي، ومسؤولين بمؤسسات الحقل الديني بمن فيهم بعض النخب المخضرمة، التي أنيطت بها مسؤولية بعض مؤسسات الحقل الديني، هذا فضلا عن استقرار عدد من النخب المالية والإدارية في مسؤولياتها، وذلك لمدة تقترب من عقدين من الزمن، فيما تجاوزت نخب أخرى وضعت على رأس مؤسسات إعلامية وأخرى استراتيجية عقدها في المسؤوليات. ويمكن أن نلاحظ في الصورة الثانية الخاصة بصعوبة تعويض النخب المغادرة، بقاء منصب مدير مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية شاغرا بعد وفاة المرحوم مزيان بلفقيه لقرابة عقد من الزمن تقريبا، إضافة إلى صعوبة تعويض نظير للنخب التي  تعاقبت على مسؤولية وكالة المغرب العربي للأنباء، والارتباك الذي حصل على رأس إدارة قناة “ميدي 1 تيفي” للسبب ذاته تقريبا.

ويمكن أن نلاحظ في الصورة الثالثة الخاصة بإعادة موقعة النخب القديمة أو الاستعمال المتعدد لهذه النخب، التعيين الذي حصل على رأس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وأيضا صندوق الإيداع والتدبير، فضلا عن إسناد مسؤوليات متعددة إلى إدريس اليزمي.

للدول في كل بلاد العالم منطقها الخاص في اصطفاء النخب وتجديدها، كما لها منطقها أيضا في تسويغ استمرار بعضها في المسؤوليات لمدة طويلة، لكن، حين تنحصر دائرة المسؤوليات في نخب محدودة مرت على مسؤوليات كثيرة ومتباينة، وحين تفقد الدولة القدرة على تعويض بعض النخب،  تتجاوز القضية منطق الدولة في توجيه مؤسساتها إلى بروز معضلة شيخوخة النخب.

صناعة النخب في المغرب عبر التاريخ السياسي عرف مسارين متمايزين، مسار الانفتاح على نخب الأحزاب السياسية، ومسار توظيف خزان الأطر سواء من الإدارة أو خريجي بعض المعاهد الوطنية أو الدولية.

البعض يعتقد أن المشكلة تكمن في انعطافة رؤية الدولة ومزاجها في اصطفاء النخب وتوظيفها من الأحزاب، إلى نخب المعاهد العليا وأطر الإدارة، ويعزو الأمر إلى انسداد أفق هذا الخيار، والاضطرار إلى إعادة الانتشار للنخب القديمة.

لكن المشكلة أعمق من عملية الانعطافة، وأقرب أن تكون مرتبطة بمنظومة الضبط والتحكم منها إلـــى مصادر اصطفاء النخب.

بيان ذلك، أنه خارج الخيارات الاستراتيجية التي تفسر استقرار بعض المسؤوليات، تكبر عند منظومة الضبط والتحكم، دائرة التوجس من النخب الجديدة، وتتوسع نزعة المحافظة، وتميل الدولة إلى النخب الجاهزة المجربة، وبسبب رؤية براغماتية تراهن فقط، على فعالية هذه المنظومة، يتضاءل الإحساس بالزمن حتى ترتسم صورة شيخوخة نخب الدولة، بالشكل المزمن الذي نراه اليوم.

والمشكلة أن ضعف الإحساس بالزمن عند أي دولة، والذي ينقلب إلى تعطيل ماكينتها، لا دواء له بدون توسيع فعالية مؤسسة الاستشارة، وتقوية بعدها الرؤيوي والاستشرافي، فمستقبل أي دولة غير مرتبط بعافية منظومة الضبط، وقدرتها على التحكم في سير المؤسسات في المدى الزمني الراهن، وإنما في قدرتها على اصطفاء النخب وتجديدها وصناعة نخب قادرة على مسايرة وظائف المراحل المقبلة.

شارك برأيك