الغش الدراسي..الحكاية غير الرسمية – اليوم 24

الغش الدراسي..الحكاية غير الرسمية

  • من دولاب السياسية..

  • القوس المفقود..

إن استطلعت أخبار التعليم ممن يرونه رأي العين، من أساتذة وتلاميذ، ستجد نفسك أمام حكاية مختلفة تماما عن الحكاية الرسمية التي تنشرها وزارة التربية الوطنية في الإعلام. سأركز في هذا العمود على المقابلة بين ‘حكاية’ الوزارة، ومن ثم الحكومة عن الغش في اختبارات الباكالوريا الأخيرة، وبين ما يتداوله مجتمع الأساتذة (طائفة منه). وسأركز حصرا على الأساتذة، كون التلاميذ قالوا كل شيء عن البكالوريا وأجوائها وطرائفها تقريبا على يوتيوب..

بدأت هذه المقابلة بين الرؤيتين (من أعلى الهرم/من أسفل الهرم) بسؤال موحد طرحته على جمع من الأساتذة يدرسون بمناطق مختلفة، فجاءت إجاباتهم تروي قصة واحدة. يبدو أن نسبة الغش تراجعت هذا العام؟ سألت أساتذة شاركوا في حراسة اختبارات البكالوريا. “نعم، تراجعت قياسا لتراجع حالات الغش المصرح بها”. الجواب استدعى مزيدا من الأسئلة سأقدمها للقارئ الكريم في شكل قريب من سؤال جواب، حيث كل جواب يستثمر الإجابات المتقاربة التي وردت على ألسنة المعنيين بالأمر.

كيف تراجعت قياسا للحالات المصرح بها؟ أي إن حالات الغش إما تزايدت أو ظلت في مستواها، أما حالات الغش التي تم الاستناد عليها في الدفع بفكرة تراجع نسبة الغش في الامتحانات فهي فقط، الحالات المصرح بها. وهل هناك حالات غش غير مصرح بها؟ نعم. وهذا مربط الفرس. “إن عدد الأوراق والمطبوعات المصغرة ونسخ الدروس، التي نسحبها من التلاميذ خلال الاختبارات كبيرة جدا. لكن قبول التلميذ بسحبها منه وعدم دخوله في سلوك احتجاجي أو تهديدي يجنبه تطبيق القانون في حقه. نتركه يواصل الامتحان مادام لم يتماد في خطئه. وبالتالي، فهذه الحالات تكون عمليا خارج ما تحتسبه الوزارة.” ومتى يتم تحرير محضر تلبس بالغش في حق من ثبت ذلك في حقه؟ “نقوم بذلك في حالات الغش الفاضحة جدا.

حين يبالغ التلميذ في ‘المجاهرة’ بالغش، بشكل صفيق واستفزازي، بالتكنولوجيا أو بدون تكنولوجيا، لا يبالي بوجود أستاذة يحرسون ويشوش على البقية”. قياسا لهذا المعيار في احتساب ما يعد غشا لا يقبل التسامح معه، وما يعد غشا يجوز التسامح معه، يمكن أن تعتبر حالات الغش قلّت عدديا. أما قياسا للنص القانوني المحدد لعمليات الغش، فحالات الغش في الامتحانات الأخيرة كانت مهولة كعادتها في الأعوام الماضية. هذا ليس ذنب الوزارة؟ صدحت في وجه الأساتذة. كيف لها أن تعلم بهذه الحالات مادامت لم تبلغ بها، هي مسؤولة عما يصلها، لا على تلك التي تقررون التسامح معها؟ “نحن لا نتسامح مع الغش، نحن نتعايش مع الغش. نتعايش معه قسرا. أول حاجز يواجه الأستاذ ذو الضمير يوم الحراسة هو زميله. في الغالب يكون أحد الأستاذين متعاطفا مع التلاميذ الغشاشين. أنت تتشدد وهو يتسامح بلا حد، خاصة أساتذة الابتدائي الذين يؤازروننا يوم الحراسة (هذه ملاحظة تكررت في المقابلات التي أجريتها، لكنها لا تفيد التعميم). ثاني حاجز، هو إدارة المؤسسة التي تطلب منك التيسير وتتهرب من لجم الغشاشين بالتماطل والتأخير حين يستجد طارئ يستدعي التدخل وزجر التلميذ. ثالث حاجز، هو الوعيد والتهديد المباشر الذي يلقاه الأستاذ من الغشاش، والذي يتحول في حالات شهد عليها الرأي العام، إلى أفعال إجرامية دون أدنى حماية للأستاذ”. رابع حاجز، يضيفه كاتب هذه السطور، وإن لم يرد على لسان من تحدث إليهم، هو إحساس عام لدى الأساتذة بأن الوزارة غير جادة في مكافحة الغش. رغم ذلك، هذا العمود لا يريد أن ينتهي بتحميل الوزارة مسؤولية استمرار الغش في الامتحانات بوتيرة، ربما، تفوق تلك التي تصرح بها للرأي العام، بقدر ما يهدف إلى تبيان أن لغة الإحصاءات قد تكون  خداعة ولا تعكس دائما حقيقة ما يجري على الأرض. هذا عمود رأي وليس دراسة علمية، لكنه يصلح أن يكون سببا في قيادة دراسة علمية للتأكد من المعطيات التي قدمها استنادا إلى عينة بحثية أوسع نطاقا. من جانبي، أعتبر أن استمرار الإقبال على الغش في الامتحانات يعود في جزء منه إلى سنوات من التسامح الضمني معه، حتى إذا جاء امتحان الباكالوريا غاب التسامح وعوضته الصرامة لولا أن الطبع يغلب التطبع.

شارك برأيك

Kamal

عذرا ، السؤال الأكثر منطنقية هنا هو : ما الذي يجعل أبناء هذه البيئة الاجتماعية لا يغشون؟

إضافة رد