مرثية النخبة الزائفة – اليوم 24

مرثية النخبة الزائفة

  • لِمَ تصلح النقابات؟

  • لمَ يجب أن تهمنا حقيقة بنبركة؟

لم يشكل أحد من السياسيين المغاربة وعيا زائفا بقدر ما فعل إلياس العماري في حياته. وفي الواقع، فإن القدر الموغل في الضراوة من هذا الوعي، يجعل حتى من مسألة «نهايته السياسية» أمرا قابلا لهذا التزييف أيضا.

لكن إلياس لم يكن سياسيا عاديا، كما لم يكن طبعة روتينية من الرجالات التي كانت الدولة تحرص على صنعهم لاستعمالهم وفق مقتضيات السياسة. كان نموذجا مضطربا لما يحدث عندما يجري العبث بالحدود بين تجارب صناعة النخب.

حصل إلياس على معظم قوته من المساحات غير المكشوفة من حياته وصلاته، وقد ظل يبعد نفسه علنا عن أي من تلك العلاقات دون أن يصدقه أحد. ومن الصعب القول إن الرجل لم يكن يملك قوة يستمدها من مكان ما، فتلك هي الحقيقة الوحيدة التي حاول إلياس، دون كلل، تزييفها. وعدا ذلك كان كل شيء مزيفا. كل شيء تقريبا «صُنع بالصين»، كالمشاريع العملاقة التي روجها وأقنع بها الدولة نفسها، ومثل مساره النضالي الذي لا نعرف عنه سوى تلميذ هارب من دوار عمل في طباعة الدروس الجامعية، أو استقالته من الحزب والتي حاول بها تقليد أسوأ أنواع الديكتاتوريين.

وفي الواقع، فإننا كنّا نحب إلياس لأنه أتقن دوره. ولأننا كنّا نعرف كم هو قدر التزييف في قصصه، ولأننا كنّا معجبين بقدرته على تزييف التزييف أيضا. هذه قدرة خارقة تحولت بسرعة إلى مادة هزلية. وفي هذه النقطة بالضبط، لم يعد إلياس محتملا.

الناس المؤمنون بقدرة السلطات على صنع نخبها، لم يراودهم شك في أن إلياس نسخة مزيفة عن نخب صُنعت في مختبرات الدولة منذ الستينيات، لكنه لم يكن يشبه النسخة الأنيقة كما تجسدت في محمد رضا اكديرة، ولا الطبعة المترددة التي تخص أحمد عصمان، ولا حتى النسخة الباردة المشخصة في امحند العنصر. ومن المؤكد أن الرجل لم يكن يشبه ما كان يعكسه صلاح الدين مزوار من جفاف. كان نسخة مزيفة من هؤلاء جميعا، يطوقها الطابع الكاريكاتوري، حتى أصبحت مقدرة مختبرات الدولة على صنع رجالات سياسة وفق نموذج موحد موضع شك. وما حدث أن إلياس رغب في أن يعيد تصميم مفهوم الناس عن الرجل الذي تصنعه الدولة، وبشكل تدريجي، راح يشكل تعريفا جديدا عن رجل تصنعه الدولة دون أن تستطيع بيعه كما تريد. تخلى إلياس عن ضوابط صناعة النخب الرسمية، واستهزأ بقواعدها، ودمر الحدود الفاصلة بينها وبين النخب المتزلفة. كانت تلك مشكلة عويصة بالنسبة إلى السلطات التي ترى أن رجلا آليا صنعته لخدمتها، بات يُكوّن فكرته الخاصة عما يجب أن يفعل وكيف يفعله.

وقد صبرت الدولة عليه كما يبدو، وسمحت لتقليد عريق في صناعة النخب أن يضمحل، وكان إلياس قادرًا على التفاوض بهذا الخصوص، فهو يحمل وعوده الزائفة غالبا، ويبيعها بيسر كتاجر محترف. ولكن، لا يغرنك صبر السلطة، ومن كان بيده أن يعطيك، بمقدوره أن يأخذ منك، ولولا السلطة نفسها ما قطع إلياس فتيلا.

الحقيقة الوحيدة الآن لدى إلياس هي نهاية أجله السياسي، وأن يغادر مطرودا من الباب أفضل من أن يظل مطاردا. لكن، ما الحقيقة السياسية التي يتوجب أن نخلص لها في حالة إلياس؟

إن صناعة النخب الموالية قد تعرضت للخدش. هذه الصناعة التي كانت مزدهرة باتت الآن معرضة للخسران، وما فعله إلياس في العشر سنوات الأخيرة يبرهن على أن المعمل المختبري قد ينتج لنا أيضا أشكالا مشوهة تفقد «الماركة» بريقها. كانت الدولة حريصة على صنع نخبها بالطريقة التي تجعل الناس يشعرون بقوتها هي لا بقوة المصنوع، وما حدث في حالة إلياس أن الناس راحت تعتقد بقوة الصانع وبقوة المصنوع أيضا.

المشكلة حُلت أخيرا، لكن كلفتها باهظة. فصورة المصنوع الفاقد لكل استقلال إزاء صانعه لم تعد مغرية بعد الآن، والحكم بهذه الربوتات لم يعد مجديا على ما يبدو. ستستمر السلطة في رعاية نخبها، وقد تسمح لهم ببعض الاستقلالية عندما يستحقونها، لكن، ألن يكون أجدى أن تتخلى الدولة عن هذه الصناعة وتغلق معاملها المختبرية لمرة أخيرة؟ إن المستفيد الوحيد في نهاية المطاف، على ما يظهر، هم صناع الرأي العام -صحافيين كانوا أم وكالات استشارة وخبرة ودعاية- فهم من يتلقون أجورا سخية مقابل تلميع النسخ الرديئة من كل «روبو» صُنع على عجل، ومن المؤكد أنهم لن ينصحوا الدولة بالتخلي عن صناعتها هذه.

شارك برأيك

الحبيب

كان كتابك هذا سيكون أكثر مصداقية و شمولية لو أنك صرفته في صيغة المجهول, و وضعت مكان التعريف تلميح بالرموز (المداويخ أو وقع لي نوقع ليك, إلخ…) في كل مرة لشخصية معينة أو معينة بمعنى التعيين, فهم كثيرون يسبحون في الأعالي بين الوظائف السامية الظاهرة و الخفية, علما أنهم جميعهم آليين…

إضافة رد