صورة المغرب – اليوم 24

صورة المغرب

  • إعلام الغاب..

  • حماقات السلوك البشري..

هناك حجة شائعة بين حقوقيين ونشطاء في مواجهة أفاعيل النظام تُطالبُه بالكف عن سياساته الفاشلة والمثيرة للاحتقان والسخط والظلم لأنها تؤثر سلبا على صورة المغرب. صورة المغرب في مرآة العالم الديمقراطي المتحضر. وهذه حجة أعترض عليها بشدة وأجد التوسل بها في كل حين دليلا، إما على إفلاس ترافعي، وإما على مجاراة منافقة لأدبيات حقوقية منافقة. لكن قبل سرد اعتراضي لنقدم نبذة مختصرة عن مقصود النشطاء من حجة “من أجل صورة المغرب” حتى لا أتهم باختزالها.

الصورة هنا بمعنى سمعة الدولة في المنتظم الدولي، الذي يتكون من منظمة دولية هي الأمم المتحدة لها مجالس ولجان تصدر تقارير عن حقوق الإنسان بمختلف بلدان العالم، وتستند في ذلك إلى هيآت استشارية وأخرى تربطها بها شراكات تصدر بدورها تقارير عن حالة حقوق الإنسان بكل بلد، وهناك مؤسسات مانحة ومقرضة ودول كبرى تستند أحيانا في تقديم مساعدات أو فتح خط مالي للاقتراض أو تقديم هبات ومعونات بناء على مدى تقدم البلاد على درب الديمقراطية وحقوق الإنسان. فمثلا تطورات الأوضاع  في البلاد يفترض ألا تساعد المغرب كثيرا في تعزيز حضوره بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وترسيخ مكانته لدى الهيآت الرئيسة، التي تؤثر في صناعة القرار المالي والسياسي وصنع الخرائط في الساحة الدولية (أقول يُفترض).

وعموما، في حال كانت سمعة أي بلاد سيئة وشرعية نظامها في تدهور والتوترات تجتاحها والتقارير السلبية تتراكم عليها من كل باب، يمكن أن تحرم من كثير من الدعم المبني على رصيدها الديمقراطي.

الآن، يبدو أن هذه الحجة لها فعلا ثقل ووزن، فلما أرى رفعها شعارا واتخاذها وسيلة في النضال من أجل تحقيق مطالب ديمقراطية مشروعة أمرا غير مجد تماما، وتعبيرا عن الافتتان بأدبيات عالم منافق؟ لأسباب من أهمها اثنان.

الأول، لأن القوى المؤثرة في القرار الدولي أثبتت أنها لا تهتم أبدا وبتاتا بـ”صورة أي دولة في العالم” ولا سمعتها الحقوقية، ولا تعاملها مع المدافعين عن حقوق الإنسان من غير الحاملين لجنسيتها. تهتم بمصالحها فقط. رأينا ذلك في الحالة المصرية سنة 2013 خلال الانقلاب العسكري بما لا يدع مجالا للشك. عدد القتلى كان صادما. دموية الانقلاب شهدت عليها وسائل إعلام عالمية معروفة بصدقها ونزاهتها وعراقتها. مراكز بحث مرموقة أكدت أنه انقلاب على حكم مدني، وعلى أول تجربة ديمقراطية في مصر. المنظمات الحقوقية أصدرت عشرات التقارير ووثقت لحالات القتل والاختطاف والاعتقال التعسفي. آخر انتخابات عرفتها المحروسة في أواخر مارس الماضي كانت مهزلة. كل من ترشح ضد الرئيس كان مصيره السجن والتنكيل.

حالة مصر الحقوقية كارثية، وهذا أمر سيئ وأكيد سيدفع النظام المصري ثمنه غاليا لأن شرعيته انهارت تماما، لكن هذا الأمر لا يعني شيئا للقوى الكبرى، فإذا سقط هذا النظام غدا ستجد صفقة بديلة لتقترحها على النظام الذي سيعقبه وتحمي مصالحها العسكرية والاقتصادية بالمنطقة. فأي خطر يتهدد صورة المغرب الحقوقية (ومن ثم، ولوجه إلى المساعدات والصفقات والدعم والشراكات) على ضوء ما يلاقيه النظام المصري من ترحاب ودعم دوليين، وهو قائم أساسا على انقلاب؟؟  ولنتأمل حالتي تركيا وإيران. إزاء تركيا تقود الدول الغربية حملة إعلامية وسياسية شرسة ضد رئيس بلغت شرعيته مبلغا وصل حد خروج الناس بصدور عارية في مواجهة الدبابات دفاعا عنه، لا نكاية فيه (لك أن تقارن مع أحداث 2011 !). لكن الديمقراطية القائمة في تركيا لا تناسب مصالح الغرب.

وإزاء إيران، تبالغ أمريكا في قلقها العميق على الحريات وحقوق الإنسان وتساند علنا المحتجين وآلتها الإعلامية تواكب بقوة كل تحرك احتجاجي في طهران، لكن مع حليفتها السعودية، التي اعتقلت وسجنت بدورها نشطاء، تفتح أبواب الآلة الإعلامية نفسها من أجل الدعاية لها. بمعنى أن النشطاء يحذرون النظام من تداعيات أفعاله على سمعته لدى القوى الكبرى، والقوى الكبرى هذه تشجعه على تلك الأفعال.  أما السبب الثاني لرفضي لهذه الحجة، فيخص الجهة التي يرفع في وجهها الحقوقيون هذا التحذير بخصوص صورة البلاد. فهم يريدون من نظام يعتبرونه قمعيا واستبداديا أن يوقف القمع خوفا على سمعته في الخارج؟! لو كان لنظام بهذا الوصف ذرة عقل لأوقف استبداده خوفا على سمعته في الداخل، فالداخل هو الأصل لو يعقلون

شارك برأيك