العزيمة أو الفائز الآخر في كأس العالم – اليوم 24

العزيمة أو الفائز الآخر في كأس العالم

  • عودة العنف..

  • الديمقراطية تحفر قبرها

العزيمة أو الفائز الآخر في كأس العالم ليس بطل العالم في كرة القدم هو الأكثر حظا في مباريات النهائيات الأخيرة فحسب، وإنما هو أيضا الأقوى من حيث كفاءاته الذهنية، والأكبر قدرة على الاحتفاظ بالتركيز، والتدقيق، والحث على مقاومة التعب، والإحباط، والاستسلام، والأخطاء الذاتية، وهيمنة الآخرين.ذ

وعلى هذا النحو تماما وصل كلا المنتخبين: الكرواتي والفرنسي إلى المباراة النهائية لكأس العالم؛ أي بفضل قوتهــــــما العقلـــــية، ولــــيس لامتلاكهمــــا مواهب أكثر من كل منافسيهما المتعاقبين. هذا الموقف الذي يمزج بين مختلف المؤهلات، يجد صداه أحيانا- باللغة الفرنسية- في التعبير الشعبي: “روح القتال من أجل الفوز”. أما اللغة الإنجليزية فتختصره في مفهوم ينحو منحى علميا هو “العزيمة”. وقد حدّد هذا المفهوم علماء النفس الأمريكيون، وعلى رأسهم البروفيسورة أنجيلا دكوورث.

يشير مفهوم “العزيمة” إلى القدرة على الإرادة، وعدم الاستسلام، والوقاية، والعمل، والإصرار على هزم العقبات. وكثيرا ما يُقترن بالمقاومة، والطّموح، والإرادة، والقدرة على التشبث بمشروع طويل الأمد، رغم الصعوبات التي تعترضه كلما ارتبط، على سبيل المثال، بالدراسات التي تتطلب وقتا كبيرا، أو بالتحضير الطويل الأجل لمنافسة رياضية ومسار عازف بيانو على حد سواء.

لذلك تعتبر هذه “العزيمة”، حسب جملة من الأبحاث، عنصرا مُبشّرا بالنجاح في العديد من المجالات. وهي بهذا المعنى تقوم بوظيفة معامل الذكاء، إذ تكمّل، أو تعوّض، نقاط الضعف في الأبعاد الأخرى للشخصية. لكن المشكلة التي تطرح نفسها هنا هي: كيف نحصل على هذه العزيمة؟ هل هي معطى فطري مثل معامل الذكاء- كما يرى البعض- أم هي بعدٌ من أبعاده؟ وهل بإمكانها تعويضه والحلول محله؟ هل ينبغي أن نستسلم إن كنا لا نشعر بها، أم بوسعنا، عكس ذلك، تنميتها مثل معامل الذكاء بواسطة تمارين مناسبة ومكيفة مع طباعنا؟ بالنسبة إليّ، تشبه العزيمة معامل الذكاء. فهي ليست معطى فطريا، ولا صنفا من النعمة التي سقطت من السماء، والتي من شأنها أن تفيد أسرار الإرادة الإلهية وعلم الوراثة لا غير. في رأيي العزيمة مثل الذكاء، تزرع، وتنمو، وتصنع من خلال موقفها الإيجابي الدائم تجاه الصعوبات.

ولِكَوْنِها مثابرة، تتغذى على الملذات الصغيرة المرتبطة بجهد معين، ثم تنتقل فيما بعد إلى جهد على المدى الطويل؛ خاصةً، وأن مشروعها يتجاوز البقاء على قيد الحياة والنجاح النرجسي. لذلك أنا واثق من أن العزيمة تُنمّي معامل الذكاء وتطوّره، مثلما ينميها، هو بدوره، ويطوّرها. وإذا كانت العزيمة غير فطرية، فإمكان المرء أن يكتسبها بفضل الآخرين.

إن العزيمة مُعْدِية، والوسط يساعدها على الانتشار. بعبارة بسيطة يقتضي اكتسابها العيش وسط الأشخاص الذين “يرغبون فيها”، والذين لديهم مشروعا في الحياة؛ لأن العزيمة تساعد المرء على امتلاك روح المحاربة من أجل الفوز. وهذا ما ينطبق على الفريق الرياضي بشكل عام؛ حيث تساعد عزيمة البعض على تعزيز قدرات الآخرين.

وبالمثل، يستمد الأطفال قوتهم العقلية- جزئيا- من الوالدين داخل الأسرة، وبشكل متبادل في بعض الأحيان. كما تُكتسب العزيمة، أيضا، في حجرة الدرس من طرف المعلم، لذا يجب عليه أن يكون مثالا يُحتذى به، وأن يعامل إيجابيا كل تلامذته، كي يتعقّب الأبعاد الإيجابية لِطباعهم. أما في الدولة، فالأمر متروك للسلطة السياسية لإثارة هذه الرغبة في تعبئة الذات والآخرين، وبناء مشروعها على المدى الطويل، والحفاظ على إيجابية موقفها. وكما استطاع فريق كروي الفوز بكأس العالم بفعل عزيمته، تستطيع الدولة، أيضا، تحقيق السعادة بفضل العزيمة.

وهكذا إذا كان ما هو فطري في المرء نابع من ذاته، فإن المُكتسب يأتيه من الآخرين. وكلما كانت الفرقة، أو الأسرة، أو الشركة، أو الدولة، متضامنة مع أفرادها، ومتواطئة معهم، وواعية بمصلحتها في تلميع عناصرها الأخرى، كلما ازدادت حظا في اكتساب القوة الذهنية اللازمة للنجاح في تنفيذ مشروع يتجاوز الجميع.

شارك برأيك