معاشات البرلمانيين وأشياء أخرى.. – اليوم 24

معاشات البرلمانيين وأشياء أخرى..

  • «خطايا» بوعشرين!

  • «فصوليا» السلط…!

يثير موضوع نظام معاشات البرلمانيين بين الفينة والأخرى، نقاشا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض وسائل الإعلام؛ لكن نقاش هذه المرة يتزامن مع برمجة مجلس النواب عددا من مقترحات القوانين تهم هذا النظام، سواء في اتجاه الحفاظ عليه مع تعديل إطاره القانوني، أو في اتجاه تصفيته نهائيا، هذا النقاش حيوي جدا بالنسبة إلى الديمقراطية ببلادنا، خاصة عندما ينجح في النفاذ إلى عمق الموضوع، بدل التوقف عند بعض المظاهر الخادعة والسهلة؛ سواء من جهة المطالبين بإلغاء هذه المعاشات، أو من جهة المؤيدين لاستمرارها، لأن ما يمكن أن يفقد هذا النقاش قيمته في هذه اللحظة التي تجتازها بلادنا، هو اعتقاد البعض أنه يمكن أن يحشر الآخر في الزاوية، وانتهى الموضوع.

قبل أسبوع، كتب الأستاذ عبداللطيف وهبي مرافعة طويلة وعميقة نشرتها “أخبار اليوم”، بخصوص ما يمثله الإطار القانوني لمعاشات البرلمانيين سواء الحالي، أو المقترح الذي تقدمت به أغلب الفرق النيابية في مجلس النواب من خرق للدستور، وهي في اعتقادي عريضة جاهزة لمن يرغب في الطعن في المقترح الحالي إذا تم المضي إلى الآخر في مسطرة التشريع الخاصة به أمام المحكمة الدستورية.

أهم ما أثاره وهبي في مرافعته هو التساؤل الصريح عن الأساس الدستوري، الذي يؤطر مساهمة الحكومة في معاشات البرلمانيين، فهذه المساهمة عندما تقوم بها الحكومة لفائدة موظفيها، فإنها تفعل ذلك كمشغل، فهل في نظام دستوري قائم على فصل السلط (ولو نظريا) يمكن قبول مثل هذه المساهمة؟ وهل يجوز للسلطة التنفيذية التعامل مع أعضاء السلطة التشريعية بمنطق الباطرون مع مستخدميه؟ هذا الأمر جوهري وأساسي فيما يتعلق بهذا الموضوع، لكن ليس بالتأكيد أن هذا هو الوجه الوحيد للصورة في موضوع المعاشات، البعض يرى فيها مجرد ريع أو إن العمل البرلماني ليس وظيفة يمكن أن يترتب عنها معاش بعد عمر طويل أو قصير، بل هي مهمة تطوعية نضالية.

وجهة النظر الأخرى، تعتبر أن تحصين البرلماني ماديا وتمكينه من مستوى عيش مقبول، عامل مساعد في استقلاليته عن باقي السلط، بما يمكنه من النهوض بمهامه الدستورية سواء على مستوى التشريع أو الرقابة أو تقييم السياسات العمومية على أكمل وجه، لكن يبقى السؤال، هل هاته مشروطة بتلك؟ التعويض عن المهام هذا أمر مفروغ منه وهو حال كل البرلمانات في العالم، لكن في موضوع المعاش هناك تجارب مختلفة تماما والغالب أن البرلمانيين لا يتوفرون على معاش بعد نهاية مدة انتدابهم. المواطن اليوم، له حساسية كبرى من كل أوجه الاستفادة من المال العام، سواء أكانت هذه الاستفادة بطرق مشروعة أو بطرق غير مشروعة، وبغض النظر عن القيمة المالية لمعاشات البرلمانيين، والتي تساوي ملاليم أمام تكلفة الفساد ببلادنا والمقدرات المالية التي تتصرف فيها مؤسسات عمومية، بل مديريات في بعض الوزارات، فإنها في حالة مؤسسة البرلمان برمزيته تجعلها غير متقبلة اجتماعيا وسياسيا، وهذا الموقف الذي قد يظهر سلبيا للوهلة الأولى من قبل المواطنين تجاه البرلمان، فإنه على العكس من ذلك، فهو يظهر اهتمام الرأي العام بمؤسسة البرلمان كسلطة تمثل الشعب، وأنه لازال يراهن عليها كي تلعب أدوارها، لكن لكي تقوم بذلك عليها أن تكون محررة من فتات السلطة وأوهام المال، حيث ساعتها يمكن استعادة عدد كبير من النخب التي تم احتواؤها بمنطق الجزرة.

بعض البرلمانيين يعتبرون هذا النقاش مجرد حملة لتصفية الحساب كالعادة مع المؤسسات المنتخبة والمنتخبين بصفة عامة وأن ذلك ينطوي على خلفية غير ديمقراطية/ هذا كلام جميل وفيه جزء من الحقيقة، لكن مصداقيته ضعيفة في ظل استمرار نظام المعاشات، ولهذا بالضبط يجب تحرير البرلمان والبرلمانيين من هذا العائق الذي يفقدهم المصداقية ويجعلهم في مواجهة مع الرأي العام، ويمنعهم من طرح قضايا الريع الكبرى ووضع الأصبع على المؤسسات والكيانات التي تغرق في الفساد منذ عقود ولا تجد من يتحدث عنها، فإذا لم يفعل البرلمانيون ذلك.. تُرى من سيقوم به.

لكن أهم المخاطر التي تحيط بهذا النقاش هو أن تشرعن نمطا في الحكم قائم على البلوتوقراطية، التي تعني هيمنة الأثرياء على السلطة وتعاظم دور المال في الحياة السياسية، وهو ما نشهده في بلادنا بشكل متزايد، بحيث تصبح معه المساواة في الترشح للانتخابات وممارسة السياسة، مجرد إمكانية قانونية نظرية لا يسندها الواقع، فالأثرياء هم الأقدر على استعمال هذا الحق، لذلك نرى كيف يتم التيسير لهم في بسط اليد على الأحزاب والمؤسسات المنتخبة التي تبقى “ضرورية” للواجهة الديمقراطية.

شارك برأيك