جارات شقيات – اليوم 24

جارات شقيات

  • دروس روتينية من حملة صغيرة

  • سحر عيوش

السلطة مِلكية مشتركة عبارة عن بناية من عدة طوابق، وفي كل طابق يسكن نفر من الناس. وكأي ملكية مشتركة، فإن سلطة الإدارة تمارَس بطريقة تشاركية-تفاوضية بين القاطنين عندما يتعلق الأمر بجوانب العيش المشترك، أو التعايش المطلوب لاستمرار الإدارة الفعالة، على أن يحتفظ كل جار بحريته في فعل ما يشاء داخل طابقه.

البرلمان طابق رئيس في بناية السلطة. وفي نسخته المغربية، كان ينبغي أن يكون سكانه ذوي نفوذ كبير، فهو يشبه «الفلتر» الذي يسمح بمرور الماء دون أن تتسرب الملوثات. هذه وظيفة عظيمة يكتسبها البرلمان وفقا لشروط النص المكتوب، أو حسب شروط الواقع. ودائما ما تكون للواقع سلطة قهر على البرلمان، حتى إن النص المكتوب يتحول إلى ورق ناعم يمكن طيه بين الفينة والأخرى ورميه دون مبالاة. فعل البرلمانيون المغاربة هذا مرارا، ودون أي شعور بالندم، فهم، على ما يبدو، مقتنعون بأن البرلمان يشبه بالون هواء يمكن نفخه فيكبر، كما يمكن كبحه وتقليص حجمه حسب مؤشرات بورصة السياسة التي، في غالب الأحيان، لا يفهم الناس العاديون أسرار تحولاتها الغريبة. في الممارسة النيابية يصبح كل شيء نسبيا، فالرقابة لا تراقب كل شيء، وأسئلة النواب لا تسأل عن أي شيء، ويظهر وكأن كل شيء مرتب سلفا، حيث لا مجال للخديعة، أو للمقالب. قل ما شئت لكن من ينصت. وقد أحسن العثماني فعلا عندما خاطب النواب في جلسة المساءلة الشهرية وكأنهم جمع من المواطنين المحتجين قائلا: «كفى من السوداوية». عبارة مستنفدة ومستهلكة، حتى إن ما يراد منها أصبح غير محدد، أو في أسوأ الأحوال باتت عبارة غير جدية.

من الصعب أن تفهم بناية السلطة في المغرب، إن كنت عاجزا عن فهم ما يفعله البرلمان، لكن من يستطيع فهم شيء؟ قبل فترة قصيرة، استقبلت مسؤولا أجنبيا في مكاتب «أخبار اليوم»، وظهر متلهفا لفهم سبب تحول الشأن السياسي في بلاده إلى مواد رئيسة في الصحف المغربية، ثم قال: «في بلادي، الناس غير مهتمين بالشأن السياسي بالمغرب، لأنهم لا يستطيعون فهم كيف يعمل»، ثم استطرد: «في الواقع، لا أحد يفهم كيف تعمل ماكينة السياسة عندكم». وفي الحقيقة، فإننا نشعر بالضجر كل مرة نحاول فيها أن نضع ممارسة السلطة في المغرب في موضع مقارنة بجارتينا، إسبانيا وفرنسا. وعلى مستوى الممارسة النيابية، ينصح بتجنب فعل ذلك، لأن النتائج ستكون دون شك محبطة. في فرنسا، على سبيل المثال، هناك قصة جديدة: ألكسندر بينالا، المتعاون القريب من رئيس الدولة، كما يوصف في الصحافة، الذي ضبط وهو يقوم بوظائف الشرطة، ويقمع متظاهرين في فاتح ماي الفائت. الفضيحة كانت كبيرة، وفي بضعة أيام، كان المسؤولون الحكوميون يخضعون لتحقيق برلماني شكل على عجل في هذه القضية. لم يندفع نواب حزب «الجمهورية إلى الأمام»، الذي أسسه إيمانويل ماكرون، لحجب المعلومات أو مهاجمة طلبات المعارضة. سئل وزير الداخلية ومفوض شرطة باريس بالحدة نفسها من لدن نواب المعارضة كما من نواب الحكومة. ليست هناك أي غضاضة.

بينالا الذي كانت وظيفته إدارية محضة، فتحول إلى مرافق أمني يحوز وسائل الشرطة، ويملك تصريحات مرور عالية الحساسية، ويسمح لنفسه حتى بقمع المتظاهرين، سيلقى عقابه دون شك، وحتى ماكرون يواجه أسوأ أزمة في عهده قد تؤدي إلى حجب الثقة عن حكومته. في المغرب، لا يحدث أي شيء مماثل. تُترك مهمات التحقيق والمساءلة للإدارات المعنية، وإذا حاول نواب الاقتراب من أمر كهذا، فإنهم يواجهون أولا بأشرس معارضة من نواب آخرين. وغالبا ما لا تشكل لجان تحقيق أو استطلاع، لأنها لن تلقى أي سند، وفي حال تشكيلها، فإن نتائجها عادة ما تكون مخيبة للآمال، ونادرا ما نجحت لجنة تحقيق في مقابلة مسؤول على قدر من النفوذ لتقديم معلومات حيوية. تتحول أعمال لجان التحقيق في البرلمان إلى أعمال صحافية شبه محترفة تعوقها الإمكانات المحدودة عن الوصول إلى المعلومات وإجراء مقابلات. وفي نهاية المطاف، تعرض مسودة تقاريرها النهائية، بعدما تكون قد تعرضت لحمية قاسية في خلاصاتها يفرضها نواب مهمومون بحماية مصالح وكلائهم السياسيين والاقتصاديين. لم يثر تقرير لجنة برلمانية يوما اهتماما كبيرا لدى الناس، لأن نتائجه بالكاد يمكنها تبرير مصاريف أعضائها.

التركيبة التوفيقية للجان التحقيق والاستطلاع لا تترك هامشا كبيرا للعمل، والشكاوى تبدأ من بداية السير، لكن من يهتم. وقد قيل عن حق إن هدف لجان التحقيق والاستطلاع في البرلمان، عادة، ما يكون هو تقليص مستوى الخطر في الحادث الذي يجري التحقيق فيه.

دعنا من صلاحية حجب الثقة عن الحكومة وملتمس الرقابة. هذه وسيلة مثالية يعتبرها السياسيون محض خيال، ويتعرض من يطرحها للسخرية. لذلك، ليس هناك هدف من طرح مقارنات في هذا الصدد.  في إسبانيا، وهذا مثال مبهر، حملت محكمة عليا الحزب الشعبي (اليميني) المسؤولية عن قضايا فساد أعضائه. وترتب على ذلك حجب الثقة عن حكومة ماريانو راخوي، وتعيين منافسه الاشتراكي خلفا له، ثم جرى إبعاد زعيم الحزب الشعبي عن القيادة. حدث كل هذا في حوالي نصف شهر، من صدور الحكم حتى تعيين حكومة جديدة.

وفي المغرب، عرض قبل أقل من شهر حزب الاستقلال -وهو صيغة سياسية شبيهة بالحزب الشعبي- أن يقدم اعتذارا إلى أهالي الريف إن تبين أن أعضاءه ارتكبوا جرائم في حقوق الإنسان في فترة الخمسينيات. في أول المؤشرات السياسية، ظهر هذا الحزب وكأنه مُسّ. وبالنسبة إلى طبقة المحافظين، فإن ما فعله الاستقلال ضرب من الجنون، حتى إن البعض لم ير في الأمر سوى تقليب لماضٍ غير متصل بالحاضر ولا بالمستقبل. إذن، سيكون جيدا، في ضوء التلاعب الجاري بالأفكار، أن يقدم الاستقلال اعتذاره، ثم أن يتولى لاحقا قيادة حكومة 2021 وكأن شيئا لم يحدث.

شارك برأيك