هل يؤسس عيد العرش لمصالحة جديدة؟ – اليوم 24

هل يؤسس عيد العرش لمصالحة جديدة؟

  • بين العدمية والأمل وخطاب الحقيقة

  • من أفسد الدخول المدرسي

لن ينسى المغاربة أن العهد الجديد، الذي يقوده الملك محمد السادس، انطلق على خلفية مصالحة مع اليسار الجديد ومع الإسلاميين، تأسست بسياسة الإنصاف والمصالحة، وطي صفحة الماضي، وانتهاج عدالة انتقالية شكلت نموذجا مُلهِما لدى العديد من الدول.

تم رفع الحصار عن عبدالسلام ياسين، وأُطلق سراح أبراهام السرفاتي، وانطلقت جلسات الاستماع لجبر الضرر وطي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وخاض المغرب أول تجربة انتخابية ديمقراطية لم يطعن فيها أحد سياسيا، وانفتح النسق السياسي على مكونات سياسية ضاقت في السابق مساحة المشاركة السياسية دونهم.
والواقع أن الاحتفاء، الذي استقبل به الملك الجديد، يرجع في أحد أبعاده إلى التِفاتِه إلى قضية المصالحة، التي لم تكن مجرد انفتاح على القوى السياسية الجديدة وتوسيعا لفضاء المشاركة السياسية، وطيا لملف الاعتقال السياسي، وإنما كانت، أيضا، مصالحة مع المكونات الثقافية واللغوية للمغرب، ومع المناطق “المتمردة على الولاء” كما كانت تُوصف سابقا، ومصالحة غير مسبوقة مع السلطة الرابعة.

صحيح أن الإسلاميين استفادوا في عهد الملك محمد السادس من فرص تقوية اندماجهم في الحقل السياسي والتحول إلى شريك أساسي في الحكم، لكن، هذه الاستفادة تبقى نسبية بسبب ضعف منافسة الفاعلين السياسيين، إنما المستفيد الأكبر من المصالحة هو الدولة التي كسبت جزءا كبيرا من الثقة وتيسرت لها شروط الاستقرار، والمجتمع الذي نجح في تقوية تماسكه وتعايشه، والتطبيع مع تعابيره السياسية والثقافية واللغوية.
بداية التراجع كانت مع أحداث ماي الإرهابية، ليأخذ شكله السياسي مع انتخابات 2007، ويترسّم كخيار مع انتخابات 2009، لولا رياح الربيع الإقليمي التي قصمت ظهره، ليعيد بعض صور تشكله مع انتخابات 2016 وما تلاها من “بلوكاج” سياسي، وتشكيل حكومة سعد الدين العثماني.

مع خيار المصالحة، أرسى المغرب البعد المؤسسي الذي ضمن تعايش مختلف المكونات والتعبيرات السياسية والثقافية واللغوية، وانخرطت حتى القوى التي كانت معدودة في السابق على الراديكالية أو العدمية في النسق، وتحقق التفاف غير مسبوق على الملكية، وتوفرت شروط إضافية للثقة في المؤسسات، وبدأت المناطق المنسية والمقصية تستشعر أن دورها في التنمية لم يعد إلا مسألة وقت.

لكن، مع انطلاق مسلسل التراجع عند محطة 16 ماي، وبعد انخراط مكونات في السلطة في تأليب المجتمع ضد بعضه، بدأت تظهر معالم التغير في رؤية الدولة للمصالحة، فبدل توسيع النسق السياسي، ودعم مشاركة مختلف الفاعلين فيه، وتشجيع الصحافة لدعم التجربة الديمقراطية، وإزاحة العوائق والعقد الثقافية واللغوية والتاريخية لدعم تماسك المجتمع وتقوية شروط تعايش مكوناته، عادت الدولة بإرادة بعض مراكز النفوذ الضاغطة، إلى منطق التحكم في النسق، وتطويع مكوناته، والتلاعب بقواعد تعايشه وتماسكه، وتوظيف الأبعاد اللغوية والتاريخية في لعبة انتخابية زكتها فوقيا في منطقة الريف، مما أثمر انقساما حادا بين الأجيال والنخب في المنطقة، كان الحراك أحد تجلياته الأساسية.

النتيجة التي يتهرب البعض من مساءلة أسبابها، أن عودة التوتر للنسق السياسي والاجتماعي، وعودة الصراع بين السلطة والصحافة، وخلق شروط “ملف الريف” بالشكل الذي كان معروفا في السابق، كان في الجوهر أحد تجليات الضغوط التي مورست لإقناع الملكية بالاستغناء عن إتمام ورش المصالحة في أبعادها الشاملة.

لا شيء لحد الآن غير قابل للاستدراك، فالملك، الذي أرسى دعائم العهد الجديد، قادر على تصحيح الاختلالات التي تنكبت عن رؤيته، وقادر أن يعيد المصالحة إلى سكتها، ويستطيع أن يجعل من عيد العرش بعثا جديدا لخطاب “أَجْدير”، ونقطة نهاية لكل التوترات التي نشأت في الحقل السياسي والاجتماعي والحقوقي والصحافي.

شارك برأيك