الكرة والدبوس – اليوم 24

الكرة والدبوس

  • نسيان العالم..

  • كيف تنهار الديكتاتوريات؟

لو أخذنا كرة طفل؛ أعني واحدة من هذه الكرات التي نصادفها باستمرار في معارض الترفيه، وميادين الترويض، ومواسم الأعياد؛ كرة دائرية أو بيضاوية أو على شكل حيوان من الحيوانات. لا بد أنها كرة رائعة وجميلة. ومع ذلك، تكفي وخزة دبوس كي تجعلها مترهّلة إلى الأبد.

لو أخذنا مثلا كرة قدم مملوءة جيدا بالهواء. ولتكن واحدة من هذه الكرات التي رآها مؤخرا الملايير من الناس. مبدئيا، يستحيل لجسمها أن يهزل أو يرتخي. ولن يستطيع أي دبوس اختراق غِشاءها الجلدي الذي صمد أمام كل ركلات العالم. لكننا، إذا استعملنا، خلافا لذلك، سكينا أو عثرنا على صمام تصريف الهواء، فسيكون بمقدورنا آنذاك أن نجعل من الكرة مجرد قطعة من المطاط عديمة الجدوى.

لكن إذا كانت الكرة منفوخة بطريقة محكمة مثل بعض كرات الشاطئ، أو الكرات التي تُستعمل في قاعة الرياضة. لا أحد يستطيع النيل من سلامتها؛ لأنها تصمد في كل الظروف بشكل ممتاز. مبدئيا، يصعب التميز بين هذه الأنواع الثلاثة من الكرات؛ لأنها تبدو، من أول وهلة، متطابقة ومتماثلة، حتى لو كان الغرض من استعمالها مختلف تماما. في بعض الأحيان تكون الكرات الأكثر هشاشة، هي الكرات الأكثر لمعانا، والأكثر إثارة، واستحواذا على الذوق الوجداني، ونحن لا ننتبه إلى هذه الهشاشة إلا عندما نسعى إلى إحداث خرم في الكرة.

وانطلاقا من هذه الاستعارة، تستطيع شركة ما، أو أمة، أو دولة، أو رئيس دولة، أو كائن بشري ما، أن يتوهّم، ويقتنع بقوته، وأهميته، وديمومته، إلى أن يكشف له اختبار الحقيقة درجة كثافته، وسُمكه، وقدرته على مقاومة وخزات الدبوس وطعنات السكين، ومفك البراغي الذي يفتح صمام تصريف الهواء.

من الصعب أن يتوقع المرء سُمك هذا الكيان أو هذا الشخص، أو يتصور حجمه من الخارج. لقد شاهدنا شركات قوية، على ما يبدو، تندثر في رمشة عين. وأخرى تبدو هشة، لكنها مع ذلك تتصدى لكل أنواع المحن. لقد شاهدنا (نشاهد باستمرار) ومازلنا نشاهد إلى يومنا هذا، لسبب أو لآخر، أناسا ينهارون جراء تعرض سمعتهم إلى سوء.

وعكس هؤلاء، رأينا شركات يواجه أصحابها هذه الهجمات، ثم ينطلقون من جديد إلى أن يحققوا النصر، حتى إن تعرضوا في لحظة ما، إلى خطر كبير. يتمتع هؤلاء الناس أو هذه الكيانات بالمثانة والصلابة؛ لأنهم يتوفرون على سُمْكٍ، وإرادة، ومبرر للوجود يتجاوزهم. كما يتميزون بقدرتهم على إدراك السبب الذي بموجبه تعرضوا للهجوم، والجرأة على تحويل اتجاه السكين الذي يطعنهم. وبالمثل، ليس أولئك الذين يبدون أكثر قوة هم الأكثر صمودا أمام التعذيب، والخيانة أو الارتشاء.

وكما يكشف الدبوس عن طبيعة الكرة، تكشف الأزمة عن طبيعة المنظّمة أو الكائن البشري الذي تهدّده. وإذا اقتصرنا، في حديثنا، على رؤساء الدول، فإن ردود أفعالهم على الهجمات التي استهدفتهم، ستكون ردودا مختلفة عن بعضها البعض تماما؛ لأن صنفا منهم يتمتع بصلابة مطلقة، مثل الرئيس ترامب، الذي رغم العديد من طعنات الخنجر التي يتعرض لها يوميا، يرد بهجوم مضاد على جميع الجبهات، إلى أن يتعب خصومه ذات يوم، أو يعثرون على نقطة ضعفه، التي قد تقوده إلى تقديم استقالته.

أما الصنف الثاني، فيفضل الصمت، معتقدا أن سُمْكه الخاص يشبه الدبابيس أو السكاكين التي ستنكسر عليه. بينما يسعى الصنف الأخير إلى الاعتراف بشكل راق وصريح بأخطائه، معيدا النظر فيها، وموضحا كيف ساعدته أخطاؤه على تطوير نفسه ليصبح أكثر فاعلية لنفسه، وللدولة أيضا.

لن يكون هذا الدرس مفيدا للأزمات الراهنة، إلا إذا كانت استعارة الكرة والدبوس هذه غير كافية، وأن يكون البديل لها، كما توقعت ذلك في العديد من المرات، هو الانتقال من نزعة ارحل الناعمة إلى نزعة ارحل القاسية وقت لا يكتفي شعب ما، بإضعاف النظام الذي يسيره، ويسعى إلى القضاء عليه.

حينها، لن تكون الدبابيس سوى ذرائع للتخلص من الكرة التي لم يعد أحد يرغب فيها. والحل الوحيد في هذه الحالة، هو جعل الكرة مرغوبا فيها من جديد، وإبراز قيمتها، وقوتها، وسُمكها، وفائدتها. في الحياة العامة، كما في الحياة الخاصة، لا شيء يعوض الرغبة والمشروع. لا شيء يعوض رغبة المشروع.

شارك برأيك