شيء «ما» ينقص فعلا! – اليوم 24

شيء «ما» ينقص فعلا!

  • اليوسفي هرما

  • اليوسفي هرما

عندما يشعر الملك بوجود نقص ما، فإن الأحزاب تحس بالفراغ، وبشكل أدق، تحس بالتيار الهوائي الذي يلامس الجلد بقوة عندما يهوي امرؤ في بئر أو من على جرف. لكنه يبقى شعورا مؤقتا سرعان ما يزول، وتعود الطبقة السياسية المتكلسة إلى الشعور بالاعتداد.
ترف جفون السياسيين في كل مرة يخطب فيها الملك، فقد اعتاد الجميع تخصيص قسط من اللائمة لهؤلاء الذين يقدمون أنفسهم عادة أدوات وساطة في «تأطير المجتمع»، دون أن يكون هناك كشف حساب حقيقي يؤيد هذه المزاعم. بيد أن هؤلاء الذين يشعرون برهبة الخطاب، هم أنفسهم الذين يتصرفون، منذ اليوم الموالي، وكأن الخطاب لم يكن يعنيهم.
بشكل مباشر، كان يجب على حوالي 20 حزبا حل نفسها تحت تأثير الضربات الملكية المتتالية. الكثير من الهيئات السياسية في البلاد تشبه العلقيات، فهي تبدو وكأن وظيفتها الحياتية هي أن تمتص الدم مهما كان جلد الضحية قاسيا. ولا يبدو أن جلد الوطن قاس بالدرجة المناسبة لردع كل هذه العلقيات، لذلك، من اليسير رؤية حجم الأضرار التي تخلفها العلقيات الحزبية على جسد الوطن. لكن العلقيات الحزبية عندنا ليست مثل علقيات الطبيعة، فهي لا تمتص دمك دون ألم، مثلما يفعل طبيب فاسد لكنه ماهر في الوقت نفسه.. إنها عكس ذلك، تترك الوطن يتلوى من شدة الألم.
في عملية المداواة، لا بد من إجراءات متطرفة. الذين كانوا يدعون، قبل عقد من الزمن، إلى وضوح في الخريطة الحزبية، نسوا تماما تلك المناشدة التي لم تعد تعني أحدا. وأولئك الذين كانوا يخططون –بل وشرعوا في التنفيذ- لاصطناع تقاطب سياسي، سرعان ما غرقوا في الوحل الذي صنعته أيديهم. حزب الأصالة والمعاصرة، على سبيل المثال، دفع بخمس هيئات سياسية إلى «قتل أبيها» بضربة واحدة، ونصب لها «أبا جديدا»، لكنه كان مثل تلك الكعكة التي عبدتها قريش لفترة، ثم أكلها عمر بن الخطاب بكل سخرية. في أقل من عام، خرجت من «البام» خمسة أحزاب أخرى، وكأن الآباء الخمسة الذين زعموا أنهم «قُتلوا»، قد بعثوا الروح في عظامهم وهي رميم. لم تكن هناك أي قيمة مضافة لهذه الهيئات، سواء قبل «قتلها» أو بعد انبعاثها العجيب. في المحصلة الأخيرة، كان لدينا حزب إضافي في قائمة الهيئات التي من الصعب حصر عناوينها بشكل تلقائي.
في الواقع، ينبغي التخلص من أكثر من دزينة من الأحزاب القائمة، بطريقة ناعمة، وبألم طفيف، ودون أي عطف. القوانين التي يمكنها أن تخفف الأضرار ينبغي إقرارها دون خوف، ودون أي إحساس بالنقص، لاسيما إزاء مزاعم أولئك الذين يرفعون عقيرتهم الديمقراطية فقط عندما يلحظون أن مصالحهم السياسية باتت مهددة.
لكن، كيف يمكن التخلص من هذه المصفوفات النشاز من الأحزاب بشكل سلس؟ هذه الأحزاب التي لا تمثل أحدا في دورة الحياة السياسية (كل 4 سنوات) ينبغي، في رأيي، منعها من أن تمتلك تمثيلية زائفة في الانتخابات. وتلك الأحزاب، التي يشعر الكثير من الناس بأنها تمثلهم، يجب أن تُمنح الفرصة لاكتساب التمثيلية الانتخابية المناسبة في مناخ سليم. الفروق الجوهرية بين ما نراه أحزابا كبيرة وأخرى صغيرة ليست في حجم التمثيليات –وإن كانت هذه طريقة تفسير تقليدية لدى اليسار- وإنما في القدرة على الحصول على سند شعبي في أوقات الأزمات. لا مزيد من الاستفزاز المجاني.
النظام السياسي لا يمكنه تحمل الضغط الشعبي المتزايد باستمرار، كما لا يمكنه تحمل العبء الموجه إلى مؤسسة دون أخرى في عملية ترتيب المسؤوليات.
من وجهة نظر أخلاقية، فإنه من الصواب القول إنه يجب تحسين المردودية السياسية في المجتمع المغربي بواسطة التخلص من الوزن الحزبي الزائد، الذي يضاعف عدة مرات الوزن الطبيعي لما يجب أن يكون عليه الجسد الحزبي في بلاد كالمغرب. وبهذه الوسيلة -الوحيدة على ما يبدو حتى الآن- يمكن إقناع نخب جديدة بأن للسياسة مردودية.
وعلى كل حال، على أولئك الذين يؤمنون بأن زمن الإيديولوجيات قد انتهى، أن ينتبهوا إلى أنهم لا يقدمون أي فائدة تذكر باستثناء تحويل أحزابهم إلى شركات مناولة، وهذه، هي الأخرى، علقيات جديدة يجب أن نتخلص منها كذلك..

 

 

شارك برأيك