ذلك النقص.. صدى الاحتجاجات في خطاب الملك – اليوم 24

ذلك النقص.. صدى الاحتجاجات في خطاب الملك

  • القارئ هو الحل

  • من دولاب السياسية..

الخطاب الأخير، الذي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة تخليد الذكرى التاسعة عشرة لتوليه العرش، برهن على درب خطابات أخرى مماثلة، عن دقة بالغة في تشخيص أعطاب الدولة، وفي اقتراح تدابير مستعجلة لإصلاح برامج تعرف اختلالات وتعثرات أو فشل ذريع، وكل ذلك بجرأة في ممارسة النقد الذاتي لم يعد يتحلّى به أي فاعل آخر في المشهد السياسي غير المؤسسة الملكية في أيامنا هذه. طبعا، نتحدث عن المشهد السياسي “الرسمي”، إن جاز التعبير، وإلاّ فإن بعض الأصوات الحقوقية والأكاديمية والسياسية والحزبية لازالت لم تفقد القدرة على النقد انسجاما مع قناعات ومبادئ وقيم راسخة لديها.

لكن عدا هذه القدرة العالية على تشخيص الأعطاب واقتراح الحلول، كان لافتا تركيز الملك على الشأن/المجال الاجتماعي في خطابه وتذكيره بحجم الخصاص الذي يعرفه وتأكيده حرصه على تحسين مردودية البرامج الاجتماعية عبر مبادرة “إحداث السجل الاجتماعي الموحد” في إطار طموحه للنهوض بالأوضاع الاجتماعية. هذا التركيز يشي، في تقديري، بتأكيد أعلى سلطة في البلاد على الطابع الاجتماعي الصرف للحركات الاحتجاجية التي عرفها المغرب. فحين استشعر الجالس على العرش وجود نقص ما، استشعره في سياق حديثه عن المجال الاجتماعي. الحركية الاحتجاجية، وفق أقرب تحليل منطقي ممكن، هي تعبير عن وجود نقص ما في المجال الاجتماعي نفسه، الذي تحدث عنه زعيم الدولة. وإذا صح هذا الاتفاق، فلا معنى لاستمرار بعض الجهات في إصباغ أبعاد غير اجتماعية على بعض الاحتجاجات وجر حامليها للقضاء والانتهاء بهم في السجون.

نحن أمام دعوة ملكية إلى ما يقترب من استنفار عام للمتدخلين في تدبير الشأن العام، من أجل ضخ دماء جديدة في برامج الدعم الاجتماعي والاستثمار لسد الخصاص في هذا المجال، ومن ثم تهدئة حركة الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي عبر توفير بدائل في أسرع الآجال.

وقد كان لافتا، أيضا، استقبال الملك لكريمة المرحوم محمد بن عبدالكريم الخطابي السيدة عائشة الخطابي ضمن حفل الاستقبال الرسمي المنظم بالمناسبة، ولعله تنبيه إلى عدم وجود أي موقف سلبي من منطقة الريف. وبعد هذا الاستقبال أدلت السيدة الخطابي بتصريح استحضرت فيه أزمة معتقلي حراك الريف، وكان مثيرا للانتباه، كذلك، أن وكالة المغرب العربي للأنباء (الوكالة الرسمية) نقلت التصريح الذي قالت فيه السيدة الخطابي إنها “على يقين بأن سكان منطقة الريف يستوعبون الجهود التي يبذلها صاحب الجلالة من أجل النهوض بأوضاع معيشتهم، معبرة عن أملها في أن تتم تسوية وضعية الأشخاص المعتقلين على خلفية أحداث الحسيمة”.

طبعا، كل طرف يمكنه تأويل الخطاب الملكي خارج حدود النص المكتوب وفقا لموقعه في النظام، لكن تجب مقاومة بعض القراءات التي تريد “حيازة” الخطاب وتأويله لصالح القراءة التي تدعم تصوراتها. ذلك لأن إشاعة تأويل بعينه للخطاب الملكي وسط الرأي العام أو داخل بعض الدوائر يعني بالمقابل إنتاج وإشاعة ردة فعل معينة اتجاه هذا الخطاب. لذا تجب مقاومة أي وساطة تأويلية للخطاب الملكي، خاصة أن الخطب الملكية الأخيرة قطعت مع نموذج معين ظل يعتمد الإغراق في الإشارة والتلميح وصارت أقرب للتصريح والإفصاح.

وهذه المقاومة تتحقق بالاستمرار في السلوكيات المواطِنة، أي التبليغ عن الفساد وفضح خروقات الإدارة والدفاع عن الحريات ومحاربة تحميل التعبيرات الاحتجاجية السلمية والانتقادات الموضوعية ما لا تحتمل من اتهامات لإسكاتها وتشويهها، وبكلمة جامعة، الحفاظ على الوطن بالوقوف أمام أكبر خطر يتهدده: الفساد.

شارك برأيك