ما لم أفهمه من خطاب العرش – اليوم 24

ما لم أفهمه من خطاب العرش

  • من أفسد الدخول المدرسي

  • أزمة دولة أم أزمة مجتمع؟

لأول مرة أجد صعوبة في تحليل خطاب العرش لهذه السنة، ليس بسبب غموض اللغة أو عدم وضوح الرسائل، ولكن، لمفارقات ثلاث:

الأولى، أن خطاب العرش للسنة الماضية، كان قاسيا على الحكومة والنخب السياسية، بلغ حد إعلان عدم الثقة في السياسيين، والاستياء من تعريض الملك للاحتكاك المباشر مع الطلب الاجتماعي.

الثانية، أن ما تضمنه من مداخل لحل المعضلة الاجتماعية، تمت مقاومتها في الولاية السابقة والحالية بشراسة، وبتكتيكات النخب وبممانعة المؤسسات، وبعضها لايزال يحاصر في المؤسسة التشريعية.

الثالثة، أن ما تضمنه من إجراءات تفصيلية جاء مغايرا لنسق الخطابات السابقة التي اكتفت بالتوجيهات العامة والخيارات الاستراتيجية.
تفسير المفارقة الأولى يجد مستنده في مراجعة الدولة، أي حصول تحول في خطابها وموقفها لجهة الإقرار بأهمية أنظمة الوساطة ودورها السياسي.

المفارقة الثانية، يصعب أن تجد تفسيرها خارج المعطيات الاستشرافية الخاصة بوضعية البلد الاقتصادية والاجتماعية، والتحولات الدولية والإقليمية. البعض سارع في تفسير المفارقة الثالثة، إلى اعتبار النزعة التفصيلية هي جواب عن الجدل السياسي حول الملكية البرلمانية، وتأكيد الدولة تشبثها بالملكية التنفيذية، وتجسيدها لذلك بالاجتماع الذي انعقد عقب الخطاب. لكن هذا التفسير يفضي إلى التناقض مع تفسير المفارقة الأولى، الذي يستند على مراجعة الدولة لموقفها من دور الحكومة وأنظمة الوساطة.

يصعب في ديناميات السياسة، التي تدور حول المسألة الاجتماعية، أن تنعطف الدولة بهذه الفجائية وبشكل شامل، للمداخل التي شكلت مطلب القوى الإصلاحية، وتمت مقاومتها بشدة، حتى ولو كان وضع قوى الإصلاح وازِنا، إلا أن تحضر مؤشرات أخرى تتعلق بالوضعية الاقتصادية والاجتماعية ومآلاتها في مناخ إقليمي ودولي مضطرب، فبالأحرى أن تقع الانعطافة الفجائية، في سياق محكوم بتراجع موقع القوى الإصلاحية وانتشار السلطوية.

المعطيات الاقتصادية والمالية في المغرب لم تصل درجة كبيرة من السوء، رغم بعض المؤشرات السلبية التي تخص تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، وتفاقم المديونية وارتفاع نسبة البطالة.

أما المعطيات الاجتماعية، فما نملك من معطيات حول التوتر الاجتماعي، يخص توسع وتيرة الحراك الاحتجاجي السنة الماضية، وليس أمامنا معطيات استشرافية دقيقة عما يمكن حصوله السنة المقبلة. لكن، دوليا وإقليميا، ثمة تحولات خطيرة يتوقع حدوثها، خاصة في منطقة الخليج، يمكن أن ترسم أفقا غير مطمئن للمغرب الذي يعيش وضعية اقتصادية لم تتحرر بعد من الارتهان، ولايزال نموذجها التنموي يتحسس الطريق للخروج من أعطابه ، ويكفي في هذا الصدد أن نتصور أثر توقف هبات دول الخليج، وما يمكن أن يقع لأسعار الطاقة لو تورطت في حرب استنزافية مع إيران، وأثر ذلك على الوضعية الاقتصادية والسلم الاجتماعي.

تركيب ذلك كله، أن الدولة تستشعر خطرا مقبِلا، وتحاول بشكل استباقي أن تحصن ذاتها، بمراجعة الموقف، من النقد القاسي للنخب وأنظمة الوساطة إلى تثمين دورها، وبتغليب الاستراتيجي على السياسي، من رهان إضعاف القوى الإصلاحية ومعاكسة مشاريعها الإصلاحية ذات البعد الاجتماعي، إلى دعمها لكسب سِلم اجتماعي، وبتسجيل الحضور الفاعل للملكية، للجواب عن تناسل الدعايات المغرضة حول الغياب، والتي تفتح مساحات لزرع الغموض.

مع الربيع الديمقراطي، شكل خطاب 9 مارس ورقة النجاة من أخطار استبقتها الملكية، ورسمت بها أفقا للإصلاح الدستوري والسياسي أمّنت به الاستقرار، واليوم، لا يُستبعد أن يكون خطاب العرش جوابا آخر عن مواجهة أخطار كبرى وشيكة، لا يمكن مقاومتها من غير مدخل اجتماعي شامل. القوى الديمقراطية معنية بالتقاط التحول، واستثمار هذه الانعطافة، وتثمين جرأة وشجاعة الملكية، وإقناعها بضرورة المزاوجة في الجواب عن المخاطر بين المدخل الاجتماعي ومطلب تصحيح اختلالات المسار الديمقراطي.

شارك برأيك