من أجل أجندة جديدة للإصلاحات – اليوم 24

من أجل أجندة جديدة للإصلاحات

  • جثة

    بعد أربع سنوات من التأخر.. قانون الطب الشرعي يصل إلى مجلس الحكومة

  • العثماني

    بعدما أضعفت المقاطعة أخنوش.. «البيجيدي» يسترجع عافيته

كلما شعر المغاربة بأن قطار التقدم قد توقف أو يكاد، التفتوا نحو المؤسسة الملكية. قد ينتقد بعضهم، وقد يداهن آخرون، وقد يتجاوز طرف ثالث كل الحدود المرسومة، لكن في النهاية يلتقي الجميع حول المؤسسة نفسها، وفي ذلك إجماع صريح وضمني على أنها المفتاح نحو مزيد من التقدم، وأنها الأقدر على إنجازه.

طبعا، لم يتحقق هذا المكتسب الكبير للملكية عبثا، بل هو نتيجة عمل دؤوب ومتواصل، وقدرة كبيرة على إدارة الاختلافات والمصالح، وعلى المبادرة في الوقت المطلوب. لقد واجه الملك الراحل الحسن الثاني محاولات سياسية وعسكرية للانقلاب على حكمه، نجح في تجاوزها بصعوبة وبكثير من سفك الدماء، وبغير قليل أيضا من الخسائر المادية والرمزية التي لا يبدو أن المغرب قد تخلص من آثارها إلى اليوم. ورغم ذلك، يُحسب للملك الراحل أنه استطاع أن يؤسس المصالحة قبل أن يغادر هذه الدنيا، لأنه أدرك أن التوافق أنفع للمغرب من الصراع، وأن الاعتراف بالقوى الحقيقية على الأرض خير من تجاهلها، وأن الزمن معلم جيد للجميع، حكاما ومحكومين.

تسلّم الملك محمد السادس مشعل المصالحة من يد والده، ومنذ 19 عاما من الحكم استطاع أن يمنحها مضمونا حقيقيا في خمسة ملفات كبرى على الأقل: تقديم مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية المتنازع عليها سنة 2007، والاعتراف بالأمازيغية لغة وثقافة في خطاب أجدير سنة 2001 قبل دسترتها سنة 2011، وإقرارها ركنا في هوية المغاربة، ومشروع الإنصاف والمصالحة لسنة 2004 لطي مرحلة سنوات الرصاص، وضمان عدم التكرار، ومشروع الإصلاح الديني والثقافي، وفي مقدمته إقرار مدونة الأسرة لسنة 2004، وأخيرا ملف الإصلاح السياسي والدستوري الذي أًجِّل إلى سنة 2011، وجاء نتيجة ضغوط خارجية تتمثل في ثورات الربيع العربي.

علاوة على تلك المشاريع المهيكلة والممتدة في الزمن، بالنظر إلى أثرها المؤسساتي والقانوني والثقافي، بصم الملك محمد السادس عهده بعدة مبادرات وبرامج اقتصادية واجتماعية، منها سياسة الأوراش الكبرى في قطاع البنيات التحتية (الميناء المتوسطي نموذجا)، ومنها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لمحاربة الفقر والهشاشة، وأخيرا مشروع «نور» للطاقة الشمسية، وهي مشاريع لا شك أنها لها أثرا إيجابيا على النمو الاقتصادي، رغم حجم الخصاص الهائل.

لكن هناك نقائص لم يحقق المغرب فيها التقدم المأمول، ويبدو أنها تعيق المبادرات والمشاريع التنموية عن تحقيق كامل أهدافها، إن لم تكن تفرغها من مضمونها على مستوى التنفيذ. وأول عائق في هذا السياق هو الإدارة، فالدستور وإن أقرّ بأن رئيس الحكومة المنتخب هو رئيس الإدارة، فإن متتبع الواقع يرى أن هنالك موظفين أكبر من رئيس الحكومة، وربما من الحكومة نفسها، فالولاة والعمال، مثلا، لا سلطة لرئيس الحكومة عليهم، وكذلك مسؤولو قطاع الإعلام العمومي، ومسؤولو القطاع الأمني، ومسؤولو القطاع المالي. هذا الواقع يجعل الإدارة تتحرك بوتيرتين، وربما أكثر، ويغيب عنها الانسجام، ويحل التعقيد والبطء وأمراض أخرى، وهو ما يرصده المواطن عند أول احتكاك بها، وتؤكده التقارير الوطنية والدولية باستمرار.

العائق الثاني هو التعليم، الذي يعد الأداة الفعالة في يد الدول لإعادة صياغة المجتمع على أساس قيم المواطنة والحرية. منذ سنة 2000، جرى إقرار الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وفي سنة 2009 استُدرك بالمخطط الاستعجالي، لكن دون جدوى. وفي سنة 2015، أفرج عن خطة جديدة 2015-2030. ورغم أن الأمل معقود على المستقبل، فإن التعليم ظل الحلقة المفرغة خلال 19 سنة الماضية، علما أنه يستحوذ على نحو ربع الميزانية السنوية للبلاد.

العائق الثالث أمام التقدم هو الاستخفاف بحكم القانون، لدينا في المغرب، في كثير من الأحيان، قوانين جيدة، وعلى رأسها دستور 2011، لكنها لا تطبق على الجميع بإنصاف وعدل ودون تمييز. وهنا يجب البحث في الأجهزة المكلفة بتنفيذ القانون، وبالأساس أجهزة القضاء والأمن، التي حصل تأخر كبير في إصلاحها. فالقضاء جرى تأهيله ليكون سلطة مستقلة عن الحكومة، لكنه لم يصلح بعد، بدليل طريقة تعاطيه مع الملفات السياسية، كما أن أجهزة الأمن خارج المفكر فيه حتى اليوم، باستثناء بعض الرتوش التقنية التي تعلن من حين لآخر، والتي لم تُغير من الجوهر شيئا، بدليل طريقة تعاطي الأمنيين مع الحقوق والحريات.

لقد تحقق المهم في ظل حكم الملك محمد السادس، ولايزال الأهم والأصعب، ولعل حراك الريف واحتجاجات جرادة وضعت على طاولة النقاش العمومي ثلاث قضايا رئيسة للتحرك في المرحلة المقبلة؛ فصل الثروة عن السلطة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومكافحة الفساد. وهي قضايا أتصور أن المدخل الصحيح إليها هو تفعيل الدستور، خاصة وضع الإدارة تحت سلطة المنتخبين، وتفعيل حكم القانون من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، علاوة على إصلاح ثقافي شامل يضع التعليم في قلبه، وهي أجندة لا يمكن التقدم فيها دون دور حاسم للمؤسسة الملكية.

شارك برأيك