مثلث التطرف – اليوم 24

مثلث التطرف

  • نسيان العالم..

  • كيف تنهار الديكتاتوريات؟

في عالم يزداد إثارة وخطورة يوما بعد يوم؛ حيث تتعايش أجمل الوعود مع أسوأ التهديدات، وحيث تفرض وقفة تأملية وجيزة نفسها في هذا الفترة من الصيف، قبل أن يستعيد العالم تداول الأخبار الكاذبة، والفضائح الرديئة، والاكتشافات الكبيرة المهملة، والأعمال الشجاعة المحتقرة. قبل هذا وذاك، لايزال أمامنا متسع من الوقت للنظر بهدوء في الهندسة الغريبة للقوى التي تهدد الديمقراطية اليوم.

للوهلة الأولى، يبدو كل شيء طبيعي: ثلاث قوى، لا علاقة لها ببعضها- مبدئيا-، في طريقها إلى تولي السلطة من خلال تحالفها الضمني في البداية، والصريح عندما يصبح الأمر ممكنًا. تضم القوة الأولى كل دعاة اليمين القومي المعادين للطبقة الحاكمة الموصومة بالعولمة الجامحة، والكارهين للأجانب (أو، على الأقل، المعادين لأي وجود غير أوروبي على أراضي أوروبا)، أنصار الحكومة القوية، الذين يتقربون طواعية إلى الأوساط الأكثر عرضة لرياح الحداثة، ويعتمدون على الحركات الإقليمية.

القوة الثانية تجمع كل دعاة اليسار الأكثر راديكالية، المعادين للرأسمالية، والنخب المالية، والتقنوقراطيين المفترضين لخدمتهم، والعولمة الجامحة للأسواق، والمعتمدين في ذلك على الحركات العالمية المعادية للرأسمالية، مثل حركات حقوق الإنسان وحركات أنصار البيئة. القوة الثالثة وتتميز بطبيعة مختلفة للغاية، لأنها تضم، أولئك الذين يهاجمون على شبكات التواصل الاجتماعي- من دون الكشف عن هويتهم- كل من له ذرة من السلطة أو الشهرة أو النفوذ، مطلقين عليه شتائِمهم، وافتراءاتهم، وتهديداتهم، وإهاناتهم.

مبدئيا، ليس هناك ما يوحد بين هذه القوى الثلاث. فمواقفها متعارضة بشأن المواضيع الأساسية، مثل موقفها من المال والديمقراطية، والرأسمالية، والمهاجرين، والبيئة، والعولمة، وكره الأجانب. ورغم ذلك، نجد هذه القوى تتحالف مع بعضها وتحقق انتصارات، بشكل متزايد، وفي ظروف مختلفة، مؤلّفة ما أسميه هنا: “مثلث التطرف”.

في الولايات المتحدة، عثرنا على هذه القوى الثلاث في نهاية الحملة الانتخابية، عند دعم ترامب، ضد المؤسسة التي كانت تمثلها هيلاري كلينتون.

وإذا كانت القوى المذكورة قد تحالفت في بريطانيا، لتشكيل الائتلاف الفائز في الاستفتاء الوطني بشأن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، فإن تحالفها في إيطاليا، قد أدى إلى وصول ائتلاف غير طبيعي بين العصبة وخمس نجوم إلى السلطة. نعثر على هذا المسار، أيضا، في النمسا، والمجر، وبولندا.

أما في فرنسا، فقد ظلت هذه القوى الثلاث متعارضة بشكل علني، إلى أن عثرنا عليها في الآونة الأخيرة تتحالف مع بعضها بشكل غريب للغاية وتتوحد حول الأمل المجنون من أجل إسقاط السلطة، دون أن تكون لدى كل قوة من القوى أدنى فكرة عما ستفعله، مجتمعة أو منفصلة، إذا ما نجحت في ذلك. ثم ماذا سيحدث غدا؟ هل ستواصل هذه القوى معارضتها لبعضها؟ وهل ستستمر في تبادل الشتائم والقذف بطرق مختلفة أم إنها ستتحد علانية بشكل متزايد؟ في الواقع، إذا شعرت هذه القوى بأنها تستطيع مجتمعة وضع حدّ لما تسميه كل واحدة منها بشكل غير واضح “النظام”، فإنها ستتوحد، آملة في قرارة نفسها، أن يكون الآخرين، بالنسبة إليها، مجرد “مغفلين نافعين”.

وفي هذا السياق، تثبت التجربة أن “المغفلين النافعين” عادة ما يكونون من اليسار، في حين يكون الفائزون الحقيقيون عادة من اليمين.

إن الخاسر الحقيقي، في الواقع، وفي جميع الحالات، هو النظام الديمقراطي. لأن ما يوحد بين هذه القوى الثلاث، في الأساس، ليس كراهيتها للطبقات الحاكمة فحسب، بل كراهيتها للديمقراطية، ولما تنطوي عليه أيضًا من دلالات: الحل الوسط، وأنصاف الحلول، والتدرج، والتسامح من وجهة نظر الآخرين. إذا أردنا منع هذا المثلث من الانتصار، ومن فرض قوانينه، فلا حل أمامنا سوى بذل كل ما في وسعنا كي تظل النخبة مفتوحة، بحيث يتمكن الجميع من الوصول إلى مختلف أشكال السلطة. حتى لا يكون لدى المجموعات المحبطة أي مصلحة في التحالف ضد القادة من زواج الأقارب، المعزولين عن الشعوب، وقيمهم، وأحلامهم.
ترجمة: محمد حجي محمد
عن ليكسبريس

شارك برأيك